ابن الجوزي
158
بستان الواعظين ورياض السامعين
والحسد والرغبة » يا أخي لو كان عندنا علم أنه لا يموت منّا إلّا رجل واحد لا يعلم من هو فينا ، لكان الواجب علينا أن لا ترقأ لنا دمعة خوفا من الموت ، فكيف ونحن على يقين أنه لا يبقى منا أحد . وأنشدوا : يلقى الفتى حذر المنية كارها * منها وقد حدقت به لو يشعر نصبت حبائلها له من حوله * فإذا أتاه يومه لا ينذر إن أمرأ أمسى أبوه وأمه * تحت التراب لواجب يتفكر تعطي صحيفتك التي أمليتها * فترى الذي فيها إذا ما تنشر حسناتها محشوة قد أحصيت * والسيئات فأي ذلك أكثر فابكوا معاشر المذنبين على ساعة لا بد منها ، أما ترون الموت قد أفنى الأمم الماضية ، وقتل القرون الخالية ، وهدم القصور العالية ، عطل عشارهم ، وخرب ديارهم ، وهدم منازلهم ، وقطع آثارهم ، وقطف أعمارهم ، ولم ينفعهم ما جمعوا ، ولم يحصنهم ما بنوا وصنعوا قد صاروا في القبور رميما ، ولقوا من الموت والأهوال أمرا عظيما ، فهذا دليل على أن الموت لا يترك أحدا من المخلوقين ، حتى يتوفاهم وينقلهم إلى التراب أجمعين . [ 271 ] حكاية في الزهد روي عن عمرو بن مرة أنه قال : ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل فأثنوا عليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كيف زهده في الدنيا وتركه لما يشتهي منها ؟ » قالوا : إنه ليصيب منها . قال : « فكيف ذكره للموت » قالوا : ما سمعناه يكثر ذكره . قال : « ليس صاحبكم هناك » فمن لم يكثر ذكر الموت ، ولا يترك الرغبة في حطام الدنيا ؛ فلا خير فيه واللّه أعلم . وأنشدوا : إنما الدنيا بلاغ * ليس في الدنيا ثبوت إنما الدنيا كبيت * نسجته العنكبوت ليس للطالب فيها * كلّ يوم غير قوت كلّ من كان عليها * عن قليل سيموت فاللّه اللّه بادروا العمر اليسير ، والأجل القصير ، قبل نزول ملك الموت بالهول العظيم الكبير فالموت يقصم الأصلاب ، ويذب الرقاب ، ويرد كل مخلوق إلى