ابن الجوزي
159
بستان الواعظين ورياض السامعين
التراب ، ويقرب المؤمن الطائع إلى الجنة المآب ، ويسوق الفاجر العاصي إلى أليم العذاب ، فتفكروا في الموت يا أهل الفناء والذهاب . وأنشدوا : هل للفتى من عثار الدهر من واق * أم هل له من حمام الموت من راق قد رجّلوني وما بالشعر من شعث * ولبّسوني ثيابا غير أخلاق وكفّنوني وقالوا أيّما رجل * وأدرجوني كأني طيّ مخراق هوّن عليك ولا تولع بإشفاق * فإنما مالنا للوارث الباقي [ 272 ] عظة ابن مسعود روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : ليس بغافل ولا ذاكر للموت من عدّ غدا من أجله ، فربّ مستقبل يوما لا يستكمله ، ومؤمل غدا لا يبلغه ، لو أبصرتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره . فيا عجبا للفروع ذهبت أصولها ، وللنجوم قد آن أفولها . [ 273 ] الداء والدواء روي أن رجلا جاء إلى عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها فقال : يا أم المؤمنين إن بي داء فهل عندك دواء ؟ قالت : وما داؤك ؟ قال : القسوة ، قالت : بئس الداء داؤك ، عد المرضى وأشهد الجنائز وتوقع الموت . فاللّه اللّه يا اعراض المنية ، ويا أبواب الرزيّة ، لا تنسوا الموت الذي كتبه اللّه على العباد ، المخرب الأقطار والبلاد ، وكونوا منه على حذر واستعداد ، يا أبدان الأسقام ، ويا أعراض الحمام . أنشدوا : من كان يعلم أنّ الموت مدرجه * والقبر منزله والبعث مخرجه وأنه بين حيات ستنهشه * يوم القيامة أو نار تنضّجه فكلّ شيء سوى التقوى به سمج * وما أقام عليه من أسمجه ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا * لم يدر أن المنايا سوف تزعجه [ 274 ] عظة عمر بن عبد العزيز روي عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه أنه كان يقول : أيها الناس ما الجزع مما لا بد منه ، وما الطمع فيما لا يرجى ، وما الحيلة فيما لا يزول ، وإنما