ابن الجوزي
157
بستان الواعظين ورياض السامعين
سقاهم الدهر كأسا غير صافية * فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا فاللّه اللّه معاشر المذنبين لا تشغلوا عمن يطلبكم ، ولا تنسوا من لا ينساكم ، وقد خلقكم اللّه تعالى وخلق آجالكم من قبل أن تأتي ساعة السكرات ، والندم على ما فات ، فهيهات هيهات ثم هيهات هيهات . وأنشدوا : إسمع فقد أسمعك الصوت * إن ( لم ) تبادر فهو الفوت بل كان ما شئت وعش سالما * آخر هذا كله الموت يا أخي إذا جاءك الموت لا ينفعك ما جمعته ، ولا ينجيك ما اكتسبته ، فامهد لنفسك قبل مفارقة الأحباب ، والجيران والأصحاب ، والخروج من الديار إلى منازل الدود والتراب وبيوت الوحشة والعذاب ، إلّا أن يعفو الملك الوهاب ، فتفكروا يا أولي الألباب ، يا معشر الشيب والشباب . وأنشدوا : مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا * وأعقبه يوم عليك شهيد فإن تك بالأمس اجترحت إساءة * فبادر بإحسان وأنت حميد ولا تبق فعل الصالحات إلى غد * لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت * حميمك فاعلم أنها ستعود [ 270 ] ذكر الموت والعمل روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أكثر رجل ذكر الموت إلّا زاد ذلك في عمله » فيا إخواني أكثروا ذكره لعل اللّه أن يهونه عليكم ، ويرحمكم عند نزوله بكم . واجعلوا الموت عند منامكم ( مهادا ) وعند قيامكم سهادا . واستعدوا بكثير الحسنات ، واجتناب الأوزار والسيئات . فرحم اللّه امرأ رحم نفسه ، ونظر إليها وذكر رمسه . وأنشدوا : نغص الموت ويحكم كل طيب * ودهاني بفقد كل حبيب كم وكم قد رأيت من حدث السن * عزيز كغصن بان رطيب حسّ بالموت فانثنى بانكسار * واضعا خده بذل عجيب قائلا إخوتي سلام عليكم * إذ دنت شمس مدّتي بالمغيب روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما أكثر رجل ذكر الموت إلا ترك الفرح