ابن الجوزي

128

بستان الواعظين ورياض السامعين

علي أعطيكم أمانيكم فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم ولكن أجزيكم بقدر رحمتي وكرامتي ورأفتي وعزي وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني فاسألوني ما شئتم ، فما يزالون في الأماني حتى أن المقصر في أمنيته يقول : ربنا تنافس أهل الدنيا في دنياهم ، وفخر بعضهم إلى بعض فاجعل حظي من الجنة كلّ شيء كان فيه أهل الدنيا من يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها ، فإنا رفضناها وزهدنا فيها وصغرت في أعيننا تشاغلا بأمرك وإعظاما لك وإجلالا وإعزازا . [ 216 ] إكرام اللّه تعالى فيقول لهم ربهم : لقد قصرتم في أمنيتكم ورضيتم بدون حظّكم وبأقل من حقكم فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم حتى تعرفه أنفسكم ؛ وألحقت بكم ما قصرت عنه أمانيكم فانظروا إلى ما أعددت لكم وإلى ما لا تبلغه أمانيكم ولم يخطر على قلوبكم فيؤتون ذلك ، فيقولون : ربنا أنت أحق بالأمن والرحمة ولو وكلّتنا إلى أنفسنا وأمانينا لضيّعنا حظّنا وإذا بقباب في الرفيع الأعلى قد نصبت وغرف من الدر والمرجان قد رفعت أبوابها من ذهب ، ومنابرها من نور وسررها من ياقوت ، وفرشها من سندس وإستبرق يفور من أعراصها وأفواهها ماء . نور شعاع الشمس عنده كنور الكوكب الدري فإذا هم بقصور شامخة في أعلا عليين من الياقوت يزهر نورها فلو أنها متخذة إذا لامتثعت الأبصار من شدة صفائها وعتق جوهرها فما كان منها أبيض فمن الياقوت الأبيض مفروشا بالحرير الأبيض . وما كان منها أحمر فمن الياقوت الأحمر مفروشا بالعبقري الأحمر . وما كان منها أخضر فمن الياقوت الأخضر مفروشا بالسندس الأخضر . وما كان منها أصفر فمن الياقوت الأصفر مفروشا بالأرجوان الأصفر ، مبوبة بالذهب الأحمر والفضة البيضاء قواعدها من جوهر وأركانها من ذهب وشفوفها قباب من لؤلؤ وبروجها غرف من مرجان . [ 217 ] براذين الجنة فهم كذلك وإذا براذين مقربة من الياقوت الأحمر مصنوعا فيها الروح بجنبها الولدان المخلدون وبيد كل وليد حكمة برذون من تلك البراذين على كل أربعة منها مرتبة من مراتب الجنة كالرحالة أسفلها سرير من ياقوتة وعلى كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة في كل قبة منها فراش من فرش الجنة ليس في الجنة لون حسن إلّا