ابن الجوزي

129

بستان الواعظين ورياض السامعين

وهو فيها ولا ريحة طيبة إلّا عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من ينظر إليهما أنهما من دون القبة ، يتبين مخها في عظامها كما يتبين السلك الأبيض في الياقوتة الصافية ، ثم يأمر اللّه عز وجل رجلا منهم فيتحول في مركبه مع صاحبته فتعانقه وتقبله وتمنيه بكرامة اللّه عز وجل ، والقبة إما لؤلؤة وإما زمردة ، وإما ياقوتة وإما درة وإذا في قبة من تلك القصور منابر من نور عليها ملائكة قعود ينتظرونهم ليهنئوهم ويحيوهم ، فيتحول كل رجل منهم على مركبة تزف تلك البراذين وبجنبها الولدان المخلدون ، تشيعهم الملائكة المقربون يقطعون بهم رياض الجنة . فلمّا رفعوا إلى قصورهم نهضت الملائكة في أعراضهم فاستنزلوهم وصافحوهم وشبكوا أيديهم ثم أجلسوهم بينهم ثم أقبلوا على الضحك والمداعبة حتى علت أصواتهم . [ 218 ] مصافحة الملائكة تقول الملائكة : أما وعزة وربنا وجلاله ما ضحكنا منذ خلقنا إلّا معكم ، ولا هزلنا إلا معكم ، فهنيئا لكم هنيئا بكرامة ربكم . فلما ودعوهم وانصرفوا عنهم دخلوا قصورهم فليس أحد منهم إلّا وقد وجد اللّه عز وجل قد جمع له في قصره أمنيته التي تمنى ، وإذا على كل قصر منها باب يفضي إلى واد أفيح من أودية الجنة محفوفة تلك الأودية بجبال من الكافور الأبيض وكذلك جبال الجنة وهي معادن الجوهر والياقوت والفضة فارغة أفواهها في بطون تلك الأودية ، في بطن كل واحد منها أربع جنات ، جنتان ذواتا أفنان فيهما عينان تجريان فيهما من كل فاكهة زوجان ، وجنتان مداهامتان ، فيهما عينان نضاختان ، وفيهما فاكهة ونخل ورمان ، وحور مقصورات في الخيام لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان ، كأنهن الياقوت والمرجان فلما تبؤوا المنازل واستقر قرارهم زارهم ربهم تبارك وتعالى في ملائكته فيقول لهم فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [ الأعراف : 44 ] قالوا : نعم ، قال : كيف وجدتم ثواب ربكم ؟ قالوا : ربنا رضينا فارض عنا . فيقول لهم الجليل جل جلاله : برضائي عنكم نظرتم إلى وجهي وسمعتم كلامي وحللتم داري وصافحتم ملائكتي . فهنيئا هينئا عطائي لكم ليس فيه نكد ولا تكدير فقالوا : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [ فاطر : 35 ] . [ 219 ] عدد الجنات وأسماؤها روي عن وهب بن منبه عن ابن عباس قال : لما خلق اللّه تبارك وتعالى