ابن الجوزي

120

بستان الواعظين ورياض السامعين

لا تحقرنّ من الذنوب صغيرها * إنّ الصغير غدا يعود كبيرا كلّ الذنوب وإن تقادم عهدها * عند الإله مسطرا مسطورا أيها الرجل المقنع بالمشيب ، الملبس حلة المعاصي المريب ، قد خسرت أيام الشباب ، وبذلت مهجتك للعذاب ، بغفلتك عمّا في الكتاب ، واتباعك اللعين الكذاب ، وتهاونك بالحساب وصدودك عن الصواب ، ومعصيتك لرب الأرباب . ما حيلتك يا مكروب مثلي سوّدت كتابك بالذنوب ، وعصيت مولاك علّام الغيوب ، وبعت الحظ الجزيل بالكذب المشوب ، وضيّعت الجنة التي ليس فيها نصب ولا لغوب واعلموا معشر المذنبين أن العبد إذا وفّقه مولاه وأعطاه الفكرة في قراءة كتابه كان عند مولاه مستجاب الدعاء . [ 202 ] حكاية في الاعتماد على اللّه حكي عن مطرف بن الشخير رحمه اللّه أنه أرسل رسولا عن عوز ماء وكان في زمان الحر ، فأبطأ عليه الرسول وكان عنده جماعة قد عطشوا وكان معه قليل ماء ، فقام فتوضأ بذلك الماء ثم صلى ركعتين دعا فيهما مولاه سبحانه ، فأرسل اللّه تبارك وتعالى سحابة حتى شرب هو وأصحابه ، فقيل له : بم بلغت هذه المنزلة ؟ فقال : جعلت كتابي نصب عيني في ليلي ونهاري حتى كأني أقرؤه بين يدي ربي جل جلاله . [ 203 ] حكاية عن مالك بن دينار قال عبد الواحد بن زيد رحمه اللّه : كنّا عند محمد بن واسع ومعه مالك بن دينار فجاء رجل فكلّم مالكا وأغلظ عليه في الكلام في قسمة قسمها وقال : وضعتها في غير حقها وفضلت بها أهل مجلسك ليكثروا جمعك ولتصرف وجوه الناس إليك ، قال : فبكى مالك بن دينار وقال : ما أردت بهذا هذا الذي تقول ، قال : بلى واللّه لقد أردته ، فلما أكثر على مالك الكلام رفع جيب يديه وقال : اللهم إنّ هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منه كيف شئت . فسقط الرجل ميتا بإذن اللّه . [ 204 ] دعاء ابن واسع وكان محمد بن واسع إذا جنّ عليه الليل يبكي ويقول في بكائه : ويلي من ذنوب قد أحصيت ، ومن صحيفة قد ملئت ، وربّي قد علم ذلك ولم يخف عليه من