ابن الجوزي

121

بستان الواعظين ورياض السامعين

ذلك شيء ، فأورثه اللّه تعالى ببكائه على كتابه ، وعلى حيائه من ربه الاستجابة في الدعاء وتنور القلب . وأنشدوا : أرى المشيب بالعذار قد ألم * كأنّ موتي عن قريب قد هجم خطّ المشيب أسطرا في مفرقي * فراعني ما خطّه وما رقم هل الفتى إذا انقضى شبابه * إلّا كزرع هاج سوف ينحطم شاب الفؤاد قبل شيب لمتي * واعتادني ضعف القوي قبل الهرم ويحي من التوبيخ من ربي غدا * من ذلك الأمر الشديد المستهم ويحي إذا نادى المنادي بي ألا * قم عبد سوء مسرع للعرض قم ويحي إذا ما قال لي مقررا * وخص شيئا بعد شيء ثم عم ما قد صنعت في فروضي والذي * قضيت منها هل صفا لي هل سلم فجئت ربي خاسرا قد أثقلت * ظهري ذنوب كالسحاب المرتكم قال اللّه تبارك وتعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [ الكهف : 49 ] وضع الكتاب لفصل القضاء ، ووضع الكتاب للحزن والبكاء . وضع الكتاب لتبدو الفضائح ووضع الكتاب لتظهر القبائح . وضع الكتاب لتصح الصحائح . اللّه اللّه يا معشر المذنبين حاسبوا أنفسكم قبل يوم الحساب ، وارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب ، وبادروا بالتوبة قبل غلق الباب ، واجتهدوا في بقية أعماركم قبل وضع الكتاب ، وسارعوا إلى المغفرة من ربّكم قبل الخجل بين يدي رب الأرباب ، وقبل أن تطلبوا برد الجواب ، وتحبس الألسنة عن النطق والخطاب ، وتشهد الجوارح بما عملت من عصيان أو ثواب . وأنشدوا : أبكي لذنبك طول الدهر مجتهدا * إن البكاء معوّل الأحزان لا تنس ذنبك في الكتاب وعظمه * إن الذنوب تحيط بالإنسان مساكين أهل الذنوب ، أطاعوا الشيطان ، وعصوا الرحمن . مساكين أهل الذنوب جلت كروبهم وعظمت خطوبهم ، وكبرت عيوبهم ، وأحصيت عليهم في الكتاب ذنوبهم . مساكين أهل الذنوب عصوا الجبار في الليل والنهار ، وبذلوا مهجتهم لعذاب النار ، وسوّدوا صحفهم بالخطايا والأوزار ، مساكين أهل الذنوب غفلوا عن الطاعة ، وخالفوا السنة والجماعة ، وخسروا أنفسهم قبل قيام الساعة . وأنشدوا :