ابن الجوزي
106
بستان الواعظين ورياض السامعين
الوصال والسواد أيضا هو سواد البعد ، وهو سواد الانفصال ، وهو سواد النكال ؛ وهو سواد النقمة ، وهو سواد الحجبة قال اللّه تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] فالحجاب يا مسكين يا مغرور في الدنيا وقع على قلبك باكتساب السيئات ، ودوامك على الخطيئات واشتغالك عن رب الأرضين والسماوات ، قال اللّه تبارك وتعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : 30 ] فيا معشر المذنبين أبعدوا السوء وأبدلوه بالإحسان ، وارغبوا في نعيم الجنان وارجعوا عن الأوزار والعصيان ، فإنها تزيدكم ، من عذاب النيران . يا أخي أبعد السوء وأبغضه بغضا شديدا ، وكن على إبعاده بالتوبة جلدا جليدا ، من قبل أن يأتي يوم تودّ أن لو كان السوء عنك بعيدا ، ولم تتبع شيطانا غويا مريدا . وأنشدوا : يا من إليه جميع الخلق يبتهلوا * وكلّ حيّ على رحماه يتكل يا من نأى فرأى ما في الغيوب وما * تحت الثرى وحجاب الليل منسدل يا من دنا فنأى عن أن تحيط به * الأفكار طرّا أو الأوهام والعلل أنت الملاذ إذا ما أزمة شملت * وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل أنت المنادى به في كلّ حادثة * أنت الآله وأنت الذخر والأمل أنت الغياث لمن سدّت مذاهبه * أنت الدليل لمن ضلّت به السّبل إنّا قصدناك والآمال واقعة * عليك والكلّ ملهوف ومبتهل فإن غفرت فعن طول وعن كرم * وإن سطوت فأنت الحاكم العدل [ 181 ] حكاية ذي النون عن الراهب الصامت قال ذو النون رحمه اللّه : ذكر لي عن راهب بالشام أنه لم يكلم أحدا مدة أربعين سنة ، فنهضت إليه فلم أزل أنادي تحت صومعته وأقسم أن يشرف علي حتى أشرف من أعلا صومعته ، فراودته على الكلام فأبى علي ، فقلت له : بالذي سكت من أجله ومن خوفه إلّا أجبتني عما أسألك عنه ، فقال لي : قل ولا تطيل الكلام علي ، قلت له : منذ كم أنت في هذا الموضع ؟ فقال : منذ يوم واحد ، فقلت له : وكيف ذلك ؟ قال : سمعت الناس يقولون أمس واليوم وغدا ، فأما أمس فقد فات ، وأما اليوم فلي ، وأما الغد فلا أدري أبلغه أم لا ، ثم أدخل رأسه فما كلمني وهو