محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
83
بدائع السلك في طبائع الملك
عند القدرة ، وذو حلم عند الغضب ، وذو سطوة عند المغالبة ، وذو عقوبة عند الاجرام « 282 » ، وقد كسى رعيته جميل نعمته ، وخوفهم عنيف عقوبته ، فهم يتراءونه ، ترائى الهلال خيالا ، ويخافونه مخافة الموت نكالا ، أوسعهم عدله ، ورد عنهم « 283 » سطوته ، فلا تمتهنه « 284 » مزحة ، ولا توهنه غفلة ، إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع ، فالناس اثنان : راج وخائف فلا الراجي خائب الامل ، ولا الخائف بعيد الاجل . قلت : فكيف هيبتهم له قال : لا ترفع اليه العيون أجفانها ، ولا تتبعه الابصار انسانها ، كأن رعيته قطا رفرفت عليهم صقور صوائد . فحدثت المأمون بهذين الحديثين ، فقال : كم قيمتها عندك ؟ قلت : ألفا درهم « 285 » قال : يا فضل ، ان قيمتهما عندي أكثر من الخلافة ، أما علمت قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قيمة كل امرإ هي ما يحسن ، أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة ، فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار ، وأجعل العذر مادة بيني وبينهما في الجائزة ، فلو لا حقوق الاسلام وأهله ، لرأيت اعطاءهما ما في بيت مال العامة ، والخاصة ، دون ما يستحقانه . العارض الخامس : الوفود وللسياسة الفاضلة بهم عنايات : العناية الأولى : احتفال السلطان للقائهم ، باظهار زينة الملك وجماله . فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجمل بها للوفود والعظماء . قال القرافي : وذلك أهيب وأوقع في « 286 » النفوس وأجدر « 287 » لحصول التعظيم في الصدور .
--> ( 282 ) س : الاجترام . ( 283 ) س : عليهم . ( 284 ) س : تنهنه . ( 285 ) س : الف . ( 286 ) س : النفس . ( 287 ) س : وأجدى .