محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
280
بدائع السلك في طبائع الملك
قال : ومتى كانت متوعرة المسالك ، وحولها القبائل ، بحيث يبلغها الصريخ ، تمنعت بذلك من العدو ويئس من طروقها ، كما في سبتة وبجاية وبلد القل على صغرها . فهم حقيقة : قال : فافهم ذلك ، واعتبره في اختصاص الإسكندرية ، باسم الثغر ، من لدن الدولة العباسية ، مع أن الدعوة كانت من ورائها ببرقة وإفريقيا ! اعتبارا للمخافة المتوقعة فيها من البحر لسهولة وضعها . قال : ولذلك ، والله أعلم ، كان طروق العدو لها ولطرابلس في الملة مرات متعددة « 28 » . المسألة الرابعة : أن الهياكل العظيمة لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة وذلك لأمور مرجحة وشاهدة . أحدها : أن البناء يحتاج إلى التعاون عليه بجمع الأيدي الكثيرة ومضاعفة القدر البشرية ، وحينئذ تبلغ مما عظم منه الغاية المقصودة . الثاني : أن المباني قد تكون لعظمها أكثر من القدر ، مفردة أو مضاعفة بالهندام ، لتحتاج إلى معاودة أخرى في أزمنة متعاقبة إلى أن تتم . كما يحكى أن سد مأرب بناه وساق اليه سبعين واديا ، وعاقه الموت عن اتمامه فأتمه ملوك حمير من بعده . الثالث : أن الملك الواحد تجده يشرع في تأسيس المباني الضخمة ، فإذا لم يتمها من بعده من الملوك ، بقيت بحالها من غير تمام . الرابع : أن كثيرا من المباني الهائلة عجز عن هدمها من قصرت مقدرته عن الهدم ، مع أنه أسهل من البناء ، لأنه رجوع إلى الأصل ، الذي هو العدم ، والبناء على خلاف الأصل وعند ذلك تعلم أن القدر الذي أسسته مفرطة القوة وأنها أثر دول عديدة « 29 » « 30 » .
--> ( 28 ) مقدمة ، ج 3 ، ص 976 . ( 29 ) في المقدمة : وانها ليست اثر دولة واحدة . ( 30 ) استند على ، مقدمة : ج 3 ، ص 971 .