محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

506

بدائع السلك في طبائع الملك

أبله ، وهو متباله ، يحصى دقائق الأمور ، ويدبر لطيفات الحيل ، فلا ينطق حتى يجد جوابا مسكنا أو خطابا معجزا ، ولا يفعل حتى يرى فرصة حاضرة ومضرة غائبة ، فعدوه مغتر بعداوته ، ومقدر عليه الغفلة والبله بغوايته ، وهو مثل النار الكامنة في الرماد « 378 » والصوارم المكنونة في الاغماد « 379 » . المسألة الثانية : لا شك في فضيلة الدهاء بهذا التفسير لدلالته على فضل العقل وذكاء فطنته وقد قال عمر رضي الله عنه : لن يقيم أمر الناس الا امرؤ حصيف العقدة ، بعيد الغور ، لا يطلع الناس منه على عورة ، ولا يخاف في الله لومة لائم « 380 » . وان فسر بالجريرة وهي الخديعة التي هي طرف الافراط فيه ، كما تقدم ، فلا خفاء بذمه ، لما يخاف من غوائله وسوء عواقبه . قال ابن خلدون : الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة ، لأنه افراط في الفكر كإفراط البلادة في الجمود ، والطرفان مذمومان ، والمحمود هو التوسط ، كما في سائر الصفات الانسانية . قال : ولهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان . فيقال شيطان ومتشيطن « 381 » . ثم استظهر على ذلك بقضية عزل عمر رضي الله عنه زيادا عن العراق ، وفيها أن زيادا قال : لم عزلتني يا أمير المؤمنين ؟ ، ألعجز أم لخيانة ؟ . فقال عمر : لم أعزلك لواحدة منهما ، ولكن كرهت أن أحمل الناس فضل عقلك « 382 » . المسألة الثالثة : من الكلمات الحكمية في القدر المحمود من هذا الوصف : العاقل يغفل غفلة الآمن ، ويتحفظ تحفظ الخائف . الدهاء تجرع الغصة ، وتوقع الفرصة . المسألة الرابعة : من المنقول في أخبار ذوي الفطنة من الملوك حكايتان :

--> ( 378 ) و : الزناد . ( 379 ) نقلها عن الشهب : ص 122 - 123 . وأخذها صاحب الشهب عن السياسة للمرادي ص 124 . ( 380 ) الشهب : ص 122 . ( 381 ) مقدمة : ج 2 ص 686 . ( 382 ) مقدمة ج 2 ص 685 - 686 . والجهشياري : الوزراء ص 20 .