محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
469
بدائع السلك في طبائع الملك
قال الطرطوشي : « وهو نص لا يحتمل التأويل » « 210 » . قلت : ويظهر « 211 » ذلك منضما باعتبار . المقام الأول : بحسب ما يعم السلطان وغيره : وذلك من وجهين : أحدهما : أن العافي أجره على الله تعالى ، والمنتصر قد استوفى حقه . قال الله تعالى : « فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » « 212 » قال ابن العربي : « قوله » فأجره على الله : كلمة لا يوازيها شيء ، لان الذي للعبد عند الله ومن الله وبالله خير له مما يأخذه بنفسه ، ويفعله باختياره . الثاني : أن المتخلق بالعفو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وسلك على نهج الاتباع له ، وكفى به أسوة . قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى ، فلا يقوم لغضبه شيء « 213 » . صلى الله عليه وسلم . المقام الثاني : من جهة ما يخص السلطان من حيث الفائدة المحتملة : وذلك أيضا من وجهين : أحدهما : استخلاص قلوب ذوي الجناية له ، وإيناس نفوسهم من وحشة العصيان . ولا يخفي ما في ذلك من السياسة العائدة على الدولة بالنفع العظيم . قال المأمون : ليس على في الحلم مئونة ولوددت أن أهل الجرائم علموا مذهبي « 214 » في العفو ، فيذهب الخوف عنهم ، فتخلص لي قلوبهم . الثاني : رفع الهمة به عن تعاظم الذنوب ، وفي ذلك من تبجيل الملك واجلاله ، ما لا يسع عدم الانبعاث اليه .
--> ( 210 ) سراج : ص 85 . ( 211 ) ه : ونظير . ( 212 ) آية 40 سورة الشورى . ( 213 ) احياء : ج 3 ص 184 . ( 214 ) سراج : رأيي .