محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

427

بدائع السلك في طبائع الملك

أحدهما : أن من المتقرر في العقول السليمة أن العلم صفة كمال ، وأن الجهل صفة نقصان . ولذلك إذا قيل للرجل العالم ، يا جاهل ، تأذى بذلك « 24 » القول ، وان كان يعلم من نفسه ، أنه ليس كذلك . الثاني : ان من السعادة به ما يكسبه في الدنيا من الخيرات التي لا توازنها خصوصية ، كما قال ابن حزم مشيرا لبعض ذلك ، لو لم يكن من فضائل العلم الا أن الجهال يعابونك ويجلونك ، وأن العلماء يحبونك ويكرمونك ، لكان ذلك سببا لطلبه ووجوب الانصاف به . فكيف ومعلوم فضائله في الدنيا والآخرة . المسألة الرابعة : قد سيق في مقدمات الكتاب : ان تعذر وجود هذا الوصف في السلطان سقط اعتبار ، اشتراطه اكتفاء بمراجعة العلماء عند وقوع النوازل ، وتقدم ما للغزالي في ذلك فإذا فاته ذلك بالجملة ، أو شغله الملك عن استقصاء الكمال فيه بحسب الوسع ، فلتكن عنايته مصروفة إلى تعظيم حملته ، وتكرير مراجعتهم في الوقائع الموقوفة حكمها على معرفة ما لديهم من حكم الله ، كما سبقت اليه الإشارة . فهو فرض في هذه الحالة . المسألة الخامسة : من الكلمات الحكمية في هذا الوصف : لو لم يكن له فضيلة ، الا كونه شرطا في الألوهية ، فمن ليس بعالم ، فليس باله : اطلب العلم تعظمك الخاصة ، واطلب الكمال تعظمك العامة ، واطلب الزهد يعظمك الجميع . من فضيلة العلم ، أنك لا يخدمك فيه أحد ، كما يخدمك في سائر الأشياء ، ولا يستطيع أحد أن يسلبك إياه ، كما يسلبك غيره « 25 » إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان ، فلا يعجبنك ذلك ، فان زوال الكرامة بزوالهما ، ولكن يعجبك ان أكرموك لعلم أو أدب أو دين . عطية العلم موهبة من الله تعالى ، لأنها لا تنفذ عند الجود بها ، ولكنها تكون بكمالها عند معيدها .

--> ( 24 ) ه : تأدب القائل . ( 25 ) ه . و : غير موجودة .