محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
374
بدائع السلك في طبائع الملك
الموعظة الثانية : ما في حكاية الرجل الذي سمعه المنصور ، وهو يطوف بالبيت آخر الليل ، يقول : اللهم إني اشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، وما يحال بين الحق وأهله من الظلم والطمع ، فسأله عن مراده بذلك : فقال له : ذلك الرجل الذي دخله الطمع ، حتى حال بينه وبين الحق ، واصلاح ما ظهر من البغي والفساد أنت ، قال له : ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء على يدي ، والحلو والحامض في قبضتي قال : وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين ، ان الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم ، فأغفلت أمورهم ، واهتممت بجمع أموالهم ، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجير والاجر ، وأبوابا من الحديد ، وحجبه معهم السلاح [ ثم ] « 801 » سجنت نفسك فيها عنهم ، وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها ، واتخذت وزراء وأعوانا ظلمة . ان نسيت لم يذكروك وان ذكرت لم يعينوك ، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والسلاح ، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس الا فلان وفلان نفر سميتهم ، ولم تأمر بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير ، ولا أحد الا وله في هذا المال حق . فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك ، وآثرتهم على رعيتك ، وأمرتهم ألا يحجبوا عنك . تجبي الأموال ولا تقسمها ، قالوا : هذا قد خان الله ، فما لنا لا نخونه ، وقد سخر لنا . فأتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس الا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل ، فيخالف لهم أمرا ، الا أقصوه ، حتى تسقط منزلته ، ويصغر قدره . فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم . وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا « 802 » والأموال ، ليتقربوا بها على ظلم رعيتك . ثم فعل ذلك أهل الثروة والقدرة من رعيتك ، لينالوا ظلم من دونهم من الرعية ، فامتلأت بلاد الله تعالى بالظلم بغيا وفسادا ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك ، وأنت غافل ، فان جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول ، وان أراد رفع قصة إليك عند ظهورك ، وجدك قد نهيت عن ذلك ، ووضعت « 803 » للناس رجلا ينظر في مظالهم ، فان جاء ذلك
--> ( 801 ) في نص الاحياء : ثم . ( 802 ) له : بالظلم . ( 803 ) احياء : ووقفت .