محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
375
بدائع السلك في طبائع الملك
الرجل ، وبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته ، وان كانت للمتظلم به حرمة وإجابة ، لم يمكنه ما يريد ، خوفا منهم ، فلا يزال المظلوم يختلف اليه ، ويلوذ به ، ويشكو ويستغيث ، وهو يدفعه ويحتل عليه ، فإذا جهدوا وظهرت صرخ بين يديك ، فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره ، وأنت تنظر ، فلا تنكر ، ولا تغير ، فما بقاء الاسلام وأهله على هذا . وقد كانت بنو أمية والعرب لا ينتهي إليهم المظلوم ، الا رفعت ظلامته اليه فينتصف ، ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم ، فينصف . ألا وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين ، وبها ملك فقدمتها مرة ، وقد ذهب سمع ملكهم ، فجعل يبكي . فقال له وزراؤه : ما لك تبكي لا بكت عيناك فقال : اما اني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي « 804 » المظلوم يصرخ بالباب « 805 » فمن نسمع صوته . ثم قال : أما ان كان ذهب سمعي فان بصري لم يذهب ، نادوا في الناس لا يلبس ثوبا أحمر الا المظلوم . فكان يركب الفيل في طرفي النهار ، هل يرى مظلوما ، فينصفه ، هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ، ورقته على شح نفسه في ملكه ، وأنت مؤمن بالله وابن عم رسول الله ، لا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك . ثم مضى في موعظته حتى بكى المنصور بكاء شديدا وارتفع صوته ثم قال : يا ليتني لم أخلق ، ولم أكن شيئا . ثم قال : كيف احتيالي فيما خولت فيه « 806 » ولم أر من الناس الا خائنا ؟ قال : يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الاعلام المرشدين . قال ومن هم ؟ قال العلماء ، قال : قد فروا مني : قال : هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ، قال ولكن افتح الأبواب ، وسهل الحجاب واقتص للمظلوم من الظالم وامنع المظالم ، وخذ الشيء مما حل وطاب ، واقسمه بالحق والعدل ، وأنا ضامن لك أن « 807 »
--> ( 804 ) زيادة من احياء . ( 805 ) زيادة من احياء . ( 806 ) زيادة من احياء . ( 807 ) زيادة من احياء .