محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

372

بدائع السلك في طبائع الملك

الثالث : أن ظهور السلطان للنظر في شؤونه هو حكمة انفراده برعاية الخلق ، ولا كذلك عند احتجابه دائما . قال الطرطوشي : « لا تزال الرعية ذات سلطان واحد ، ما وصلوا إلى السلطان فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة » « 793 » . قلت : قد يندفع هذا المحذور ، إذا كان هناك مفوض من قبله ، يحمل عنه من غير خلاف عليه ، ما كان هو يقوم به ، لو باشر أكثر الأمور بنفسه . تكملة في تنبيه : من المضرات به العائدة على المحتجب عنه ، ما نبه عليه كلام يحيى بن خالد « 794 » حيث يقول : « وقد كان لا يجلس الناس في داره الا بين يديه ، فان جلس ، أدخل الناس ، والا صرفوا من الباب ، وعلى الناس أداء فروض ، وقضاء حقوق ، والانتظار ويمحق زمانهم ، ويكثر تعبهم » . المسألة الثالثة : من المنقول في التذكير لما يحمل على ترك هذا النوع من الاحتجاب موعظتان : الموعظة الأولى : قول الطرطوشي أثر ما لخصناه عنه « يا أيها المغرور احتجبت عن الرعية بالأبواب وجعلت دونهم جبالا مشيدة ، وحظائر بالحجارة والماء والطين « 795 » ، [ مبالغة ] ، وباب الله تعالى مفتوح للسائلين ، ليس هناك حاجب ولا بواب . قال تعالى : « مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا » « 796 » . قلت : وله في الكتاب الذي كتب به مع ابن العربي للسلطان أبي يعقوب

--> ( 793 ) سراج : ص 57 . ( 794 ) يحيى البرمكي : هو يحيى بن خالد بن برمك ، أبو الفضل ، سيد بني برمك ، ومؤدب الرشيد ولما وليّ الخلافة دفع خاتمه اليه ، وبقي حتى حصلت نكبة البرامكة ، فحبسه حتى مات سنة 190 ه ارشاد الاريب 72 ص 272 . وفيات الأعيان ج 5 ص 265 والبداية والنهاية ج 10 ص 204 . ومعجم الأدباء ج 5 ص 20 . والمسعودي ج 2 ص 228 . وكشف الظنون ص 1544 . والاعلام ج 9 ص 175 - 176 . ( 795 ) سراج زيادة مانعة . ( 796 ) آية 57 سورة الفرقان رقم 25 ، وهذا النص من السراج ص 57 .