محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

213

بدائع السلك في طبائع الملك

الحالة الأولى : حصول الثروة في وسط الدولة . وسببه أن صاحبها حينئذ تستفحل طبيعة ملكه ، ويستبد على قومه ، فيقبض أيديهم عن الجبايات الا ما يصير لهم في جملة الناس ، لقلة غنائهم ، إذ ذلك ، واستوائهم في الدولة مع الموالي والصنائع ، فينفرد بالجباية أو معظمها ويحتجبها للمهمات ، فتكثر ثروته ، ويتسع نطاق جاهه ، ويعتز على سائر قومه ، فيعظم حال حاشيته من وزراء وحجاب وكتاب وموالي ويتسع حالهم ، ويقتنون الأموال ويتأثلونها « 195 » . الحالة الثانية : فقده في مبدأ الدولة ، وعندما يدركها الهرم أما في الأولى فلوجهين : أحدهما : أن الجباية حينئذ توزع على القبائل وذوي العصبية بمقدار غنائهم وعصبيتهم . الثاني : ان رئيسهم لأجل الحاجة إليهم في تمهيد الدولة يتجافى لهم عمن يسمون اليه من الجباية ، فلا يصير له منها الا الأقل من حاجته ، فحاشيته لذلك من وزير وكاتب ومولى مملقون غالبا وجاههم استمداده من جاه مخدومهم ، المضائق بمن يزاحمه فيه ضعيف . وأما في الثاني فلوجهين أيضا « 196 » . أحدهما : احتياج صاحب الامر إذ ذاك إلى الأعوان والأنصار لكثرة الخارجين عليه من ثائر ومنازع ، فيصرف معظم الجباية إليهم على قلتها في ذلك الوقت ، كما تقدم فيتقلص ظل النعمة عن الخواص ، ومن يليهم ، ويقل جاههم ، لضيق نطاقه عن صاحب الدولة . الثاني : انتزاعه عند شدة احتياجه إلى المال ، ما بيد أبناء البطانة والحاشية . إذ يرى أنه أولى به فيقتضيه « 197 » منهم لنفسه شيئا فشيئا ، وواحدا بعد الواحد ، فيتلاشى ما ورثوه من ذلك ، وتختل مباني الدولة ، بفناء حاشيتها ، وذوي الثروة من بطانتها .

--> ( 195 ) استند على مقدمة ج 1 ص 845 . ( 196 ) مقدمة ج 2 ص 845 . ( 197 ) س : فيقبضه .