محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
122
بدائع السلك في طبائع الملك
عليه ، وتداعوا للقيام ، وخلع طاعة المأمون ، وبويع إبراهيم بن المهدي « 93 » ، فوقع الهرج ببغداد وانطلقت أيدي الزعرة بها على أهل العافية والصون ، وقطعوا السبل ، وامتلأت أيديهم من نهب الناس وباعوها علانية في الأسواق ، واستعدى أهلها الحكام ، فلم يعدوهم ، فتوافر أهل الدين والصلاح على منع الفساق ، وكف عاديتهم ، وقام ببغداد رجل يعرف « بخالد الدريدس « 94 » » ودعا الناس إلى الامر بالمعروف « 95 » والنهي عن المنكر ، فأجابه خلق ، وقاتل أهل الدعارة وغلبهم ، وأطلق يده فيهم بالضرب والتنكيل ، ثم قام من بعده رجل آخر من سواد أهل بغداد ، يعرف « بسهل بن سلامة الأنصاري » ، ويكنى أبا حاتم ، وعلق مصحفا في عنقه ودعا إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، فاتبعته كافة الناس من بين شريف ووضيع من بني هاشم فمن دونهم ، ونزل قصر طاهر ، واتخذ الديوان ، وطاف ببغداد ، ومنع كل من أخاف المارة ومنع الخفارة لأولئك الشطار وقال له خالد الدرديس : أنا لا أعيب على السلطان . وقال له سهل لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان . وذلك سنة احدى ومائتين وجهز إبراهيم بن المهدي اليه العساكر ، فغلبه ، وأسره ، وانحل أمره سريعا ، ونجا بذات نفسه « 96 » .
--> ( 93 ) إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ( 162 ه - 224 ه ) ويقال له ابن شكلة ، وهو اسم أمه الجارية السوداء ، وإبراهيم هذا هو شقيق الرشيد ، وحين قامت الفتنة بين الأمين والمأمون ، انتهز الفرصة ودعا لنفسه ، وكانت خلافته ببغداد سنتين الا بضعة وعشرين يوما ، ثم عفا عنه المأمون ( وسيذكر هذا ابن الأزرق فيما بعد ) . أنظر تاريخ بغداد ج 6 ص 142 . وفيات الأعيان ج 1 ص 98 . الأفغاني ج 1 ص 69 - 94 أشعار أولاد الخلفاء ص 17 - 49 . ( 94 ) ه : الديريدير . ك : الدريد . ( 95 ) ه : بالدعوة . ( 96 ) « مقدمة » ج 2 ص 640 - 641 استند ابن « خلدون » في هذه القصة على الطبري الذي أورد نفس الخبر بتفصيل أكثر . هناك فقط اختلاف في اللفظ وفي رسم بعض الأسماء ، فقد أورد « الطبري » اسم خالد الدريوس بينما أورده ابن خلدون تحت اسم خالد الدرديسي . انظر أيضا « الطبري » ج 2 ص 241 - 243 .