محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

112

بدائع السلك في طبائع الملك

متوقف على التغلب عليه بقهر من ينافس فيه ، لشرف منصبه واشتماله على الملاذ البدنية والنفسانية كما قال : ( والملك بعد أبى ليلى لمن غلبا ) والتغلب من حيث هو كذلك ، متوقف على العصبية لما فيها من النعرة الحاملة على التعاضد والتناحر لا محالة لان شأن كل امر لا يتم حمل الناس عليه الا بالسيف والسنان ، لما في طباعهم من استعصاء وصعوبة الانقياد ، كما سبقت الإشارة اليه . تنبيه : قال ابن خلدون : « وهذا الامر بعيد عن افهام الجمهور لنسيانهم عهد تمهيد الدول أولا ، فلا يعرفون ما فعل الله أول الدولة ، وما لقي أولهم من المتاعب » . قال : « وخصوصا أهل الأندلس في نسيان هذه العصبية لطول الأمد واستغنائهم في الغالب عن قوتها لتلاشي وطنهم وخلوه عن العصائب ، والله قادر على ما يشاء » « 38 » . قلت : وذكر في موضع آخر : « ان أول قائم بأمر المسلمين من هؤلاء الملوك النصريين أيدهم الله ونصرهم ، وهو السلطان الغالب بالله محمد بن يوسف بن نصر « 39 » - قدس الله روحه - لم يحتج لأكثر من عصابة قليلة من قرابته المسمين بالرؤساء لقلة العصائب بالأندلس ، وانها سلطان ورعية ، فلا يظن به خلاف ذلك ، والله غني عن العالمين « 40 » ، انتهى المراد منه . المسألة الثانية : ان الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك : لان صاحبها إذا بلغ رتبة الرئاسة التي يصير بها متبوعا لا غير ، وأمكنه الترقي إلى ما وراء ذلك من القهر والتغلب فإنه يترامى اليه بأقصى جهده ، تكميلا لمطلوب النفس منه ، وتحصيلا لغاية ما تجري اليه العصبية القاهرة ، وهو الملك الذي به كمال القهر والتغلب .

--> ( 38 ) اختلاف مع نص « المقدمة » ج 2 ص 631 - 642 . ( 39 ) محمد بن يوسف بن نصر ( 595 - 671 ) هو محمد بن يوسف بن محمد ، من آل نصر ، الملقب بالغالب بالله وهو مؤسس دولة بني الأحمر في الأندلس . « نفح الطيب » ج 1 ص 623 . ( 40 ) اختلاف مع « المقدمة » ج 2 ص 649 .