محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

113

بدائع السلك في طبائع الملك

قلت : من له همة علية يطلب بعده ما وراء ذلك من الملك الكبير في الدار الآخرة . قال عمر ابن عبد العزيز « 41 » رضي الله عنه : كانت لي نفس تواقة ، تاقت إلى الامارة ، فلما بلغتها ، تاقت إلى الخلافة فلما بلغتها تاقت إلى الجنة . المسألة الثالثة : ان الدولة إذا تمهدت ، قد تستغني عن العصبية : وسر ذلك ان الدول العامة في ابتدائها يصعب الانقياد لها لغرابتها الا بتغلب قوى ، فإذا استقرت رئاستها في أهل النصاب المخصوص بالملك ، واستحكمت لهم صبغتها ، فلا يحتاج إذ ذاك إلى كبير عصابة ويكفي الاستظهار عليها اما بالموالي والمصطنعين أو بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها « 42 » . تمثيل : من مشهور الدول الواقع فيها ذلك « 43 » ما يذكر : - الدولة الأولى : دولة بني العباس . لما فسدت عصبيتها في أيام المعتصم وابنه الواثق « 44 » واستظهروا بعد ذلك بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم إلى أن تغلب العجم على النواحي ، وتقلص ظل الدولة فلم تعد اعمال بغداد ، حتى زحف إليها الديلم وملكوها ، وصار الخلائف في ملكهم إلى أن ملك السلجوقية من بعدهم ، والخلائف كذلك في حكمهم إلى أن جاء التتر « 45 » فمحوا رسوم الدولة ونسخوها « 46 » .

--> ( 41 ) عمر بن عبد العزيز ( 61 - 101 ) : أبو حفص ، عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ، الخليفة الأموي . انظر ترجمته في : « حلية الأولياء » ج 5 ص 252 - 253 . ( 42 ) المعنى ، هنا ، مأخوذ من « المقدمة » ج 2 ص 632 . ( 43 ) ه . و : تمثيل من مشهور الواقع في ذلك . ( 44 ) الواثق بالله ( 200 ه - 232 ه ) الخليفة العباسي ، امتحن الناس في خلق القرآن ، وقتل بعضهم بيده في تلك المشكلة ، كان مستغرقا في حب النساء ، شغوفا بالطرب ، عزوفا عن النظر في شؤون المسلمين . أنظر أخباره في ( ابن الأثير ) ج 7 ص 10 . الطبري ج 11 ص 24 . الأفغاني ج 9 ص 276 - 300 . ( 45 ) و . ك : النظر . ه : الططر . س : التتار . ( 46 ) استند على المقدمة ج 2 ص 633 .