ابن حجر العسقلاني
383
فتح الباري
بعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا وأجاب أهل السنة بأنها نزلت في الكفار وعلى تسليم أنها في أعم من ذلك فقد ثبت تخصيص الموحدين بالاخراج ولعل التأبيد في حق من يتأخر بعد شفاعة الشافعين حتى يخرجوا بقبضة أرحم الراحمين كما سيأتي بيانه في شرح حديث الباب الذي يليه فيكون التأبيد مؤقتا وقال عياض استدل بهذا الحديث من جوز الخطايا على الأنبياء كقول كل من ذكر فيه ما ذكر وأجاب عن أصل المسئلة بأنه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوة وكذا قبلها على الصحيح وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور ويلتحق بها ما يزري بفاعله من الصغائر وكذا القول في كل ما يقدح في الابلاغ من جهة القول واختلفوا في الفعل فمنعه بعضهم حتى في النسيان وأجاز الجمهور السهو لكن لا يحصل التمادي واختلفوا فيما عدا ذلك كله من الصغائر فذهب جماعة من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقا وأولوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضروب من التأويل ومن جملة ذلك أن الصادر عنهم اما ان يكون بتأويل من بعضهم أو بسهو أو بإذن لكن خشوا أن لا يكون ذلك موافقا لمقامهم فأشفقوا من المؤاخذة أو المعاتبة قال وهذا أرجح المقالات وليس هو مذهب المعتزلة وان قالوا بعصمتهم مطلقا لان منزعهم في ذلك التكفير بالذنوب مطلقا ولا يجوز على النبي الكفر ومنزعنا ان أمة النبي مأمورة بالاقتداء به في أفعاله فلو جاز منه وقوع المعصية للزم الامر بالشئ الواحد والنهي عنه في حالة واحدة وهو باطل ثم قال عياض وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عما قلناه لان أكل آدم من الشجرة كان عن سهو وطلب نوح نجاة ولده كان عن تأويل ومقالات إبراهيم كانت معاريض وأراد بها الخير وقتيل موسى كان كافرا كما تقدم بسط ذلك والله أعلم وفيه جواز إطلاق الغضب على الله والمراد به ما يظهر من انتقامه ممن عصاه وما يشاهده أهل الموقف من الأهوال التي لم يكن مثالها ولا يكون كذا قرره النووي وقال غيره المراد بالغضب لازمه وهو إرادة ايصال السوء للبعض وقول آدم ومن بعده نفسي نفسي نفسي أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها لان المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد به بعض اللوازم ويحتمل أن يكون أحدهما محذوفا وفيه تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق لان الرسل والأنبياء والملائكة أفضل ممن سواهم وقد ظهر فضله في هذا المقام عليهم قال القرطبي ولو لم يكن في ذلك الا الفرق بين من يقول نفسي نفسي وبين من يقول أمتي أمتي لكان كافيا وفيه تفضيل الأنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر فيه لتأهلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم وقد قيل انما اختص المذكورون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلق بالتفضيل فآدم لكونه والد الجميع ونوح لكونه الأب الثاني وإبراهيم للامر باتباع ملته وموسى لأنه أكثر الأنبياء تبعا وعيسى لأنه أولى الناس بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الحديث الصحيح ويحتمل أن يكونوا اختصوا بذلك لأنهم أصحاب شرائع عمل بها من بين من ذكر أولا ومن بعده وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكر أن من طلب من كبير أمرا مهما أن يقدم بين يدي سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاته وأشرف مزاياه ليكون ذلك أدعى لاجابته لسؤاله وفيه أن المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سئل يعتذر بما يقبل منه ويدل على من يظن أنه يكمل في القيام بذلك فالدال على الخير كفاعله وانه يثنى على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته ويكون أدعى لقبول عذره في