ابن حجر العسقلاني
229
فتح الباري
في الأدب وفيه الانفراد عند قضاء الحاجة وفيه أن امتثال أمر الكبير والوقوف عنده أولى من ارتكاب ما يخالفه بالرأي ولو كان فيما يقتضيه الرأي توهم دفع مفسدة حتى يتحقق ذلك فيكون دفع المفسدة أولى وفيه استفهام التابع من متبوعه على ما يحصل له فائدة دينية أو علمية أو غير ذلك وفيه الاخذ بالقرائن لان أبا ذر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم أتبصر أحدا فهم منه أنه يريد أن يرسله في حاجة فنظر إلى ما على أحد من الشمس ليعلم هل يبقى من النهار قدر يسعها وفيه أن محل الاخذ بالقرينة إن كان في اللفظ ما يخصص ذلك فان الامر وقع على خلاف ما فهمه أبو ذر من القرينة فيؤخذ منه أن بعض القرائن لا يكون دالا على المراد وذلك لضعفه وفيه المراجعة في العلم بما تقرر عند الطالب في مقابلة ما يسمعه مما يخالف ذلك لأنه تقرر عند أبي ذر من الآيات والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب فلما سمع أن من مات لا يشرك دخل الجنة استفهم عن ذلك بقوله وان زنى وان سرق واقتصر على هاتين الكبيرتين لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله وحق العباد وأما قوله في الرواية الأخرى وان شرب الخمر فللإشارة إلى فحش تلك الكبيرة لأنها تؤدي إلى خلل العقل الذي شرف به الانسان على البهائم وبوقوع الخلل فيه قد يزول التوقي الذي يحجز عن ارتكاب بقية الكبائر وفيه ان الطالب إذا ألح في المراجعة يزجر بما يليق به أخذا من قوله وان رغم أنف أبي ذر وقد حمله البخاري كما مضى في اللباس على من تاب عند الموت وحمله غيره على أن المراد بدخول الجنة أعم من أن يكون ابتداء أو بعد المجازاة على المعصية والأول هو وفق ما فهمه أبو ذر والثاني أولى للجمع بين الأدلة ففي الحديث حجة لأهل السنة ورد على من زعم من الخوارج والمعتزلة أن صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة يخلد في النار لكن في الاستدلال به لذلك نظر لما مر من سياق كعب بن ذهل عن أبي الدرداء أن ذلك في حق من عمل سوأ أو ظلم نفسه ثم استغفر وسنده جيد عند الطبراني وحمله بعضهم على ظاهره وخص به هذه الأمة لقوله فيه بشر أمتك وان من مات من أمتي وتعقب بالأخبار الصحيحة الواردة في أن بعض عصاة هذه الأمة يعذبون ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة المفلس من أمتي الحديث وفيه تعقب على من تأول في الأحاديث الواردة في أن من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة وفي بعضها حرم على النار ان ذلك كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي وهو مروي عن سعيد بن المسيب والزهري ووجه التعقب ذكر الزنا والسرقة فيه فذكر على خلاف هذا التأويل وحمله الحسن البصري على من قال الكلمة وأدى حقها بأداء ما وجب واجتناب ما نهى ورجحه الطيبي الا أن هذا الحديث يخدش فيه وأشكل الأحاديث وأصعبها قوله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما الا دخل الجنة وفي آخره وان زنى وان سرق وقيل أشكلها حديث أبي هريرة عند مسلم بلفظ ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله الا حرمه الله على النار لأنه أتى فيه بأداة الحصر ومن الاستغراقية وصرح بتحريم النار بخلاف قوله دخل الجنة فإنه لا ينتفي دخول النار أولا قال الطيبي لكن الأول يترجح بقوله وان زنى وان سرق لأنه شرط لمجرد التأكيد ولا سيما وقد كرره ثلاثا مبالغة وختم بقوله وان رغم أنف أبي ذر تتميما للمبالغة والحديث الآخر مطلق يقبل التقييد فلا يقاوم قوله وان زنى وان سرق وقال النووي بعد أن ذكر المتون في ذلك والاختلاف في هذا الحكم مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب في المشيئة وان من