ابن حجر العسقلاني

230

فتح الباري

مات موقنا بالشهادتين يدخل الجنة فإن كان دينا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة الله وحرم على النار وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها وارتكاب النواهي أو بعضها ومات عن غير توبة فهو في خطر المشيئة وهو بصددان يمضي عليه الوعيد الا أن يشاء الله أن يعفو عنه فإن شاء أن يعذبه فمصيره إلى الجنة بالشفاعة انتهى وعلى هذا فتقييد اللفظ الأول تقديره وان زنى وان سرق دخل الجنة لكنه قبل ذلك أن مات مصرا على المعصية في مشيئة الله وتقدير الثاني حرمه الله على النار الا أن يشاء الله أو حرمه على نار الخلود والله أعلم قال الطيبي قال بعض المحققين قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث المبطلة ذريعة إلى طرح التكاليف وابطال العمل ظنا أن ترك الشرك كاف وهذا يستلزم طي بساط الشريعة وابطال الحدود وان الترغيب في الطاعة والتحذير عن المعصية لا تأثير له بل يقتضي الانخلاع عن الدين والانحلال عن قيد الشريعة والخروج عن الضبط والولوج في الخبط وترك الناس سدى مهملين وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأخرى مع أن قوله في بعض طرق الحديث ان يعبدوه يتضمن جميع أنواع التكاليف الشرعية وقوله ولا يشركوا به شيئا يشمل مسمى الشرك الجلي والخفي فلا راحة للتمسك به في ترك العمل لان الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض فإنها في حكم الحديث الواحد فيحمل مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها وبالله التوفيق وفيه جواز الحلف بغير تحليف ويستحب إذا كان لمصلحة كتأكيد أمر مهم وتحقيقه ونفي المجاز عنه وفي قوله في بعض طرقه والذي نفس محمد بيده تعبير الانسان عن نفسه باسمه دون ضميره وقد ثبت بالضمير في الطريق الأخرى والذي نفسي بيده وفي الأول نوع تجريد وفي الحلف بذلك زيادة في التأكيد لان الانسان إذا استحضر أن نفسه وهي أعز الأشياء عليه بيد الله تعالى يتصرف فيها كيف يشاء استشعر الخوف منه فارتدع عن الحلف على مالا يتحققه ومن ثم شرع تغليظ الايمان بذكر الصفات الإلهية ولا سيما صفات الجلال وفيه الحث على الانفاق في وجوه الخير وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا بحيث انه لا يحب أن يبقى بيده شئ من الدنيا الا لانفاقه فيمن يستحقه واما لارصاده لمن له حق واما لتعذر من يقبل ذلك منه لتقييده في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في كتاب التمني بقوله أجد من يقبله ومنه يؤخذ جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الاعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب من ماله ويجتهد في حصول من يأخذه فإن لم يجد فلا حرج عليه ولا ينسب إلى تقصير في حبسه وفيه تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع وفيه جواز الاستقراض وقيده ابن بطال باليسير أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم الا دينارا قال ولو كان عليه أكثر من ذلك لم يرصد لأدائه دينارا واحدا لأنه كان أحسن الناس قضاء قال ويؤخذ من هذا أنه لا ينبغي الاستغراق في الدين بحيث لا يجد له وفاء فيعجز عن أدائه وتعقب بان الذي فهمه من لفظ الدينار من الوحدة ليس كما فهم بل إنما المراد به الجنس وأما قوله في الرواية الأخرى ثلاثة دنانير فليست الثلاثة فيه للتقليل بل للمثال أو لضرورة الواقع وقد قيل إن المراد بالثلاثة أنها كانت كفايته فيما يحتاج إلى إخراجه في ذلك اليوم وقيل بل هي دينار للدين كما في الرواية الأخرى ودينار للانفاق على الأهل ودينار للانفاق على الضيف ثم المراد بدينار الدين الجنس ويؤيده