عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي
162
أمالي الزجاجي
لنظر إلى مجانين وصفوا لنا فيه ، فرأيت منهم عجائب ، حتّى انتهينا إلى شابّ جالس حجرة منهم « 1 » ، نظيف الوجه والثّياب ، على حصير نظيف ، بيده مرآة ومشط ، وهو ينظر في المرآة ويسرّح لحيته ، فقلت : ما يقعدك هاهنا وأنت مباين لهؤلاء ؟ فرفع طرفا وأمال آخر وأنشأ يقول : اللّه يعلم أنّنى كمد * لا أستطيع أبثّ ما أجد « 2 » نفسان لي : نفس تقسّمها * بلد وأخرى حازها بلد « 3 » وإذا المقيمة ليس ينفعها * صبر وليس لأختها جلد « 4 » وأظنّ غائبتى كشاهدتى * بمكانها تجد الذي أجد فقلت له : أراك عاشقا . قال : أجل . قلت : لمن ؟ قال : إنّك لسئول . قلت : محسن إن أخبرت . قال : إنّ أبى عقد لي على ابنة عمّ لي نكاحا فتوفّى قبل أن أزفّها « 5 » ، وخلّف مالا عظيما ، فقبض عمّى على جميع المال وحبسني في هذا الدّير ، وزعم أنّى مجنون ؛ وقيّم الدّير في خلال ذلك يقول لنا : احذروه ، فإنّه الآن يتغيّر ! ثم قال لي : باللّه أنشدني شيئا فإنّى أظنّك من أهل الأدب . فقلت لرفيقى : أنشده . فأنشأ يقول : قبلت فاها على خوف مخالسة * كقابس النّار لم يشعر من العجل « 6 »
--> ( 1 ) يقال : قعد حجرة وحجرا ، بفتح الحاء فيهما ، أي ناحية . ( 2 ) أي لا أستطيع أن أبت ، وحذف « أن » مع رفع الفعل مذهب أجازه الأخفش . الصبان 3 : 215 . وقرئ : « تأمروني أعبد » بالرفع في « أعبد » . وبث الخبر : نشره . ( 3 ) في العقد والبلدان : « تضمنها » . ( 4 ) في العقد : « وليس يفوقها » . البلدان : « وليس يضرها » . ( 5 ) ضبطت في م : « أزفها » بضبط البناء للمفعول ، ولم يرد تعدية الفعل مجرده أو مزيده إلى مفعولين . ( 6 ) روى بدلها في العقد والبلدان وذم الهوى أبيات أخرى مضمومة الروى ، أولها : لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم * ورحلوها وسارت بالدمى الإبل