إسماعيل بن القاسم القالي
835
الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )
وأراد النميريّ قول الطّرمّاح : [ الطويل ] تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا * ولو سلكت سبل المكارم ضلّت * * * [ 120 ] قال أبو عليّ رحمه اللّه [ 1582 ] : قال أعرابيّ : واللّه ما أحسن الرّطانة ، وإني لأرسب من رصاصة ، وما قرقمني إلّا الكرم . هذا وإن لم يكن فيه سهو ؛ فإنّه أورد كلاما ناقصا غير منسوب ولا مفسّر ، وهو أحوج كلام إلى التفسير ، فيعلم مراده بقوله : إنه لا يحسن الرّطانة ، وبانتفائه من السّباحة ، ومذهبه في قرقمة الكرم له . وهذا الكلام لأبي الذّيّال شويش الأعرابيّ العدويّ ، قال : أنا ابن التاريخ ، أنا واللّه العربيّ المحض ، لا أرقع الجربان ، ولا ألبس التّبّان ، ولا أحسن الرّطانة ، وإنّي لأرسب من رصاصة ، وما قرقمني إلا الكرم . قوله : أنا ابن التاريخ : يعني أنّه ولد سنة الهجرة . ويريد بجملة قوله : إنّه أعرابيّ بدويّ محض ، من أهل الوبر لا من أهل المدر ولا من أهل الأمصار التي تكون على الأرياف والأنهار ، فهم يتعلّمون فيها السّباحة ؛ وإنه لم يجاور العجم فيحسن رطانتهم ، والأعرابيّ إذا قال : قدمت الرّيف ، فإنما يريد الحضر ، قال الأصمعي - رحمه اللّه - : قيل لذي الرّمّة : من أين عرفت الميم لولا صدق من نسبك إلى تعليم أولاد العرب في أكتاف الإبل ؟ قال : واللّه ما عرفت الميم ! إلّا أنّى قدمت من البادية إلى الرّيف فرأيت الصبيان وهم يحوزون بالفجرم في الأوق ؛ فقال غلام منهم : قد أزقتم هذه الأوقة فصيّرتموها كالميم ، فوضع منجمه في الأوقة فنجنجه فأفهقها ، فعلمت أنّ الميم شيء ضيّق ، فشبّهت به عين ناقتي وقد اسلهمّت وأعيت . وأمّا قوله : وما قرقمني إلّا الكرم ، فإنّه يعني : أن أباه طلب المناكح الكريمة فلم يجدها إلّا في أهله ، فجاء ولده ضاويا . ومنه الحديث : « اغتربوا لا تضووا » « 1 » ؛ أي : انكحوا في الغرائب ، وقال الشاعر : [ الطويل ] فتى لم تلده بنت عمّ قريبة * فيضوى وقد يضوى رديد الغرائب وقال آخر : [ الرجز ] إنّ بلالا لم تشنه أمّه * لم يتناسب خاله وعمّه
--> ( 1 ) أورد الغزالي في « أحياء » علوم الدين » ( 2 / 41 ) « ألا تكون من القرابة القريبة ، فإن ذلك يقلل الشهوة ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا » أي : نحيفا وعلق على ذلك العراقي بقوله : حديث « لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا » قال ابن الصلاح لم أجد له أصلا معتمدا . قلت : إنما يعرف من قول عمر أنه قال لآل السائب « قد أضويتم فانكحوا في النوابغ » رواه إبراهيم الحربي في « غريب الحديث » ، وقال : معناه تزوجوا الغرائب قال : ويقال : اغربوا لا تضووا » .