إسماعيل بن القاسم القالي

136

الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي )

وقد بسطت هاتا لتلك جناحها * ومال على هاتيك من هذه النّحر ليهنكما أن لم تراعا بفرقة * وما دبّ في تشتيت شملكما الدّهر فلم أر مثلي قطّع الشوق قلبه * على أنه يحكى قساوته الصّخر [ 378 ] [ خبر خنافر بن التّوأم الحميري ، وإسلامه ] : وحدثنا أبو بكر قال : حدثني عمى ، عن أبيه ، عن ابن الكلبي ، عن أبيه ؛ قال : كان خنافر بن التّوأم الحميري كاهنا ، وكان قد أوتي بسطة في الجسم ، وسعة في المال ، وكان عاتيا ، فلما وفدت وفود اليمن على النبي رضي اللّه عنه وظهر الإسلام أغار على إبل لمراد فاكتسحها وخرج بأهله وماله ولحق بالشّحر ، فحالف جودان بن يحيى الفرضمي « 1 » وكان سيدا منيعا ، ونزل بواد من أودية الشّحر مخصبا كثير الشجر من الأيك والعرين . قال خنافر : وكان رئيّي في الجاهلية لا يكاد يتغيّب عني ، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة وساءني ذلك ، فبينا أنا ليلة بذلك الوادي نائما إذ هوى هويّ العقاب ، فقال : خنافر ، فقلت : شصار ؟ فقال : اسمع أقل ، قلت : قل أسمع ، فقال : عه تغنم ، لكل مدّة نهاية ، وكل ذي أمد إلى غاية ، قلت : أجل ، فقال : كل دولة إلى أجل ، ثمّ يتاح لها حول ، انتسخت النّحل ، ورجعت إلى حقائقها الملل ، إنّك سجير موصول ، والنّصح لك مبذول ، وإني آنست بأرض الشام ، نفرا من آل العذام ، حكّاما على الحكّام ، يذبرون ذا رونق من الكلام ، ليس بالشعر المؤلّف ، ولا السّجع المتكلّف ، فأصغيت فزجرت ، فعاودت فظلفت ، فقلت : بم تهينمون ، وإلام تعتزون ؟ قالوا : خطاب كبّار ، جاء من عند الملك الجبّار ، فاسمع يا شصار ، عن أصدق الأخبار ، واسلك أوضح الآثار ، تنج من أوار النار ، فقلت : وما هذا الكلام ؟ فقالوا : فرقان بين الكفر والإيمان ، رسول من مضر ، من أهل المدر ، ابتعث فظهر ، فجاء بقول قد بهر ، وأوضح نهجا قد دثر ، فيه مواعظ لمن اعتبر ، ومعاذ لمن ازدجر ، ألّف بالآي الكبر ، قلت : ومن هذا المبعوث من مضر ؟ قال : أحمد خير البشر ، فإن آمنت أعطيت الشّبر ، وإن خالفت أصليت سقر ، فآمنت يا خنافر ، وأقبلت إليك أبادر ، فجانب كلّ كافر ، وشايع كلّ مؤمن طاهر ، وإلّا فهو الفراق ، لا عن تلاق ، قلت : من أين أبغي هذا الدّين ؟ قال : من ذات الإحرّين ، والنّفر اليمانين ، أهل الماء والطين ، قلت : أوضح ، قال : الحق بيثرب ذات النخل ، والحرّة ذات النّعل ، فهناك أهل الطّول والفضل ، والمواساة والبذل ، ثم أمّلس عنّي ، فبتّ مذعورا أراعي الصباح ، فلما برق لي النور امتطيت راحلتي ، وآذنت أعبدي ، واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف ، فرددت الإبل على أربابها بحولها وسقابها ، وأقبلت أريد صنعاء ، فأصبت بها معاذ بن جبل أميرا لرسول اللّه رضي اللّه عنه ، فبايعته على الإسلام وعلّمني سورا من القرآن ، فمنّ اللّه علي بالهدى بعد الضّلالة ، والعلم بعد الجهالة ، وقلت في ذلك : [ الطويل ] ألم تر أن اللّه عاد بفضله * فأنقذ من لفح الزّخيخ خنافرا

--> ( 1 ) الفرضمي منسوب إلى فرضم كزبرج ، وهو كما في « القاموس » أبو بطن من مهرة بن حيدان . ط