هبة الله بن علي الحسني العلوي
90
أمالي ابن الشجري
وإذا عرفت هذا ، فالناصب للقمر فعل مقدّر ، معطوف على الفعل الذي انسبك منه ومن « أن » المصدر الذي هو التقدير ، فالقمر داخل بالعطف في صلة التقدير ، فكأنه قال : ذلك أن قدّره العزيز العليم ، وقدّر القمر ، أي قدّر جريان القمر ، ثم استأنف الجملة التي بعده ، فقال : قدّرناه منازل ، أي قدّرنا له منازل ، وحذفت اللام هاهنا كما حذفت من قوله : وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً « 1 » أي : ويبغون لها عوجا ، فعلى هذا التقدير الذي قدّرته ، لا يكون قَدَّرْناهُ مفسّرا لناصب القمر ، بل يكون جملة مستأنفة ، في استئنافها التخلّص من كون الفعل المفسّر متعدّيا بالجارّ ، فتأمّل ما قرّرته في هذا الفصل فهو ممّا خطر لي . ومن هذا الضّرب قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ « 2 » حسن النصب هاهنا بإضمار « أَغْرَقْنا » لتقدّم قوله : اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ ثم جاء بعدها : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ فأضمر « 3 » ناصب غير « أغرقنا » ، وتقديره : وأهلكنا عادا ، ثم جاء : وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ فأضمر فعل ثالث ، فالتقدير : ووعظنا كلّا ، لأنّ ضرب الأمثال وعظ ، ثم جاء : وَكُلًّا تَبَّرْنا فلم يضمر ناصب لكلّ ، لأن تَبَّرْنا لم يشتغل عن العمل فيه . وقد ورد في التنزيل حرف منصوب ، نصبه في الظاهر خارج عن القياس ، لأنه لا داعى إلى النصب فيه ظاهرا ، والقراء مجتمعون على النصب فيه ، وهو كُلَّ في قوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 4 » أجمع البصريون على أنّ
--> ( 1 ) سورة إبراهيم 3 . ( 2 ) سورة الفرقان 36 - 39 . ( 3 ) راجع المشكل 2 / 132 ، والبيان 2 / 204 . ( 4 ) سورة القمر 49 ، وقرأ أبو السّمّال وحده كُلَّ بالرفع . راجع المحتسب 2 / 300 ، وتفسير القرطبي 17 / 147 ، والبحر 8 / 183 . -