ابن حجر العسقلاني
181
فتح الباري
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه لن ينال الدرجات العلاء من تكهن أو استسقم أو رجع من سفر تطيرا ورجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعا وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد وأخرج أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان عن ابن مسعود رفعه الطيرة شرك وما منا الا تطير ولكن الله يذهبه بالتوكل وقوله وما منا إلا من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فكأنهم أشركوه مع الله تعالى وقوله ولكن الله يذهبه بالتوكل إشارة إلى أن من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا من عرض له من هذه الطيرة شئ فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ( قوله لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث ) قد تقدم شرح هذا الحديث وبيان اختلاف الرواة في سياقه في كتاب الجهاد والتطير والتشاؤم بمعنى واحد فنفى أولا بطريق العموم كما نفى العدوي ثم أثبت الشؤم في الثلاثة المذكورة وقد ذكرت ما قيل في ذلك هناك وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود بلفظ وإن كانت الطيرة في شئ الحديث ( قوله في الحديث الثاني لا طيرة وخيرها الفأل ) يأتي شرحه في الباب الذي بعده وكأنه أشار بذلك إلى أن النفي في الطيرة على ظاهره لكن في الشر ويستثنى من ذلك ما يقع فيه من الخير كما سأذكره ( قوله باب الفأل ) بفاء ثم همزة وقد تسهل والجمع فئول بالهمزة جزما ( قوله عن عبيد الله بن عبد الله ) أي ابن عتبة بن مسعود وقد صرح في رواية شعيب التي قبل هذه فيه بالاخبار ( قوله قال وما الفأل ) كذا للأكثر بالافراد وللكشميهني قالوا كرواية شعيب ( قوله الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ) وقال في حديث أنس ثاني حديثي الباب ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خيرها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي الحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلى بالله وقوله وخيرها الفأل قال الكرماني تبعا لغير هذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة وليس كذلك بل هي إضافة توضيح ثم قال وأيضا فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره التيامن فبين بهذا الحديث أنه ليس كل التيامن مردودا كالتشاؤم بل بعض التيامن مقبول ( قلت ) وفي الجواب الأول دفع في صدر السؤال وفي الثاني تسليم السؤال ودعوى التخصيص وهو أقرب وقد أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة رفعه كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة وأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول العين حق وأصدق الطيرة الفأل ففي هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى وقال الطيبي الضمير المؤنث في قوله وخيرها راجع إلى الطيرة وقد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها فهو كقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وهو مبني على زعمهم وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم حتى لا يشمئز عن التفكر فيه فإذا تفكر فانصف من نفسه قبل الحق فقوله خيرها الفأل إطماع للسامع في الاستماع والقبول لا أن في الطيرة خيرا حقيقة أو هو من نحو قولهم الصيف أحر من الشتاء أي الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها