ابن حجر العسقلاني
182
فتح الباري
والحاصل أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه والفأل في ذلك أبلغ قال الخطابي وإنما كان ذلك لان مصدر الفأل عن نطق وبيان فكأنه خبر جاء عن غيب بخلاف غيره فإنه مستند إلى حركة الطائر أو نطقه وليس فيه بيان أصلا وإنما هو تكلف ممن يتعاطاه وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال كنت عند ابن عباس فمر طائر فصاح فقال رجل خير خير فقال ابن عباس ما عند هذا لاخير ولا شر وقال أيضا الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل من طريق حسن الظن بالله والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت وقال النووي الفال يستعمل فيما يسوء وفيما يسر وأكثره في السرور والطيرة لا تكون إلا في الشؤم وقد تستعمل مجازا في السرور اه وكأن ذلك بحسب الواقع وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء والفأل بما يسر ومن شرطه أن لا يقصد إليه فيصير من الطيرة قال ابن بطال جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والانس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وأن كان لا يملكه ولا يشربه وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح يا راشد وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شئ وكان إذا بعث عاملا يسأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به وأن كره اسمه رئي كراهة ذلك في وجهه وذكر البيهقي في الشعب عن الحليمي ما ملخصه كان التطير في الجاهلية في العرب ازعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة فذكر نحو ما تقدم ثم قال وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا لان أصله الأول قال وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبا إلى المعلم تشاءم أو راجعا تيمن وكذا إذا رأى الجمل موقرا حملا تشاءم فإن رآه واضعا حمله تيمن ونحو ذلك فجاء الشرع برفع ذلك كله وقال من تكهن أورده عن سفر تطير فليس منا ونحو ذلك من الأحاديث وذلك إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبا ما ظنه ولم يضف التدبير إلى الله تعالى فأما إن علم أن الله هو المدبر ولكنه أشفق من الشر لان التجارب قضت بأن صوتا من أصواتها معلوما أو حالا من أحوالها معلومة يردفها مكروه فإن وطن نفسه على ذلك أساء وأن سأل الله الخير واستعاذ به من الشر ومضى متوكلا لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك وإلا فيؤاخذ به وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبة له كما كان يقع كثيرا لأهل الجاهلية والله أعلم قال الحليمي وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفال لان التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق والتفاؤل حسن ظن به والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال وقال الطيبي معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئا فظنه حسنا محرضا على طلب حاجته فليفعل ذلك وأن رآه بضد ذلك فلا يقبله بل يمضي لسبيله فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم والله أعلم ( قوله باب لا هامة ) كذا للجميع وذكر فيه حديث أبي هريرة لا عدوي ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ثم ترجم بعد سبعة أبواب باب لا هامة وذكر فيه الحديث المذكور مطولا وليس فيه ولا طيرة وهذا من نوادر ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد وسأذكر شرح الهامة في الموضع الثاني إن شاء الله تعالى ثم ظهر لي أنه أشار بتكرار هذه الترجمة إلى الخلاف في تفسير الهامة كما سيأتي بيانه ( قوله باب الكهانة )