عبد الله بن محمد البطليوسي

411

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

[ كتاب المعرفة ] وأنشد ابن قتيبة « 1 » : [ من الطويل ] ( 2 ) ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنّا لا نخطّ على النّمل هذا البيت لا أعلم قائله . وفيه روايتان « نخط » بالخاء معجمة ، و « نحط » بالحاء غير معجمة . فمن رواه بالخاء معجمة : أراد ب النمل القروح التي تخرج في الجنب ، يعرض برجل كان أخواله مجوسا . كذا قال ابن قتيبة في كتاب المعاني « 2 » وأنشد : ولا عيب إلّا نزع عرق لمعشر ومن روى نحط غير معجمة ، فله معنيان ؛ أحدهما : أن يكون الحطّ : الدّلك ، من قولهم حططت الجلد : إذا دلكته ، فيكون معناه كالمعنى في رواية من رواه بالخاء معجمة . والثاني : أن يريد بالنمل الحيوان المعروف ، ولا يريد القروح ، فيكون تأويله : إنّا لا نحفر بيوت النمل نستخرج ما فيها ، مهانة وخساسة ، فيكون على هذا قد عرّض بقوم كانوا يفعلون ذلك ، والتفسير الصحيح هو الأول . وهذا التفسير الثاني ليس بشيء ، وقد أنكره ابن قتيبة . والعرق : الأصل . شبه بعرق الشجرة . ومن نصب غيرا جعله مستثنى منقطعا ، ليس من الأول لأن العرق الكريم ، والامتناع من الخط على النمل ليس من العيوب ، ومن رفع غيرا وجعله مردودا على موضع الاسم المنصوب بلا التبرئة ، وجعل ذلك من العيوب مجازا ، كما تقول : ما في فلان عيب إلّا السخاء . والمعنى أنه لا عيب فيه البتة ، إلّا أن يعتقد معتقد أن السخاء من العيوب ، فيكون سخاؤه عيبا . وأصحاب المعاني والنقد يجعلون هذا الاستثناء من محاسن الشعر وبديعه كما يجعلون الطباق والتجنيس والتصدير والترصيع ، ونحوها مما هو مشهور عند نقاد الكلام وجها بذاته . والوجه في استعمال العرب هذا الاستثناء : أن اللئيم الطبع من الناس ، لما كان مضادا للكريم الطبع ، صار يعتقد في المحاسن أنها قبائح ، وفي القبائح أنها محاسن ، فيعتقد في السخاء أنه تبذير ، وفي الشجاعة أنها هوج ، وفي الحلم أنه ذل ، ويرى أن الصواب والسداد في أضدادها .

--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في أدب الكاتب ص 22 ، واللسان 11 / 680 ( نمل ) ، وديوان الأدب 1 / 128 والتاج ( نمل ) ، والمعاني الكبير ص 563 ، 637 ، وغريب الحديث لابن قتيبة 2 / 260 ، وشجر الدر ص 201 ، ونسب البيت في شرح الجواليقي إلى عمرو بن حممة الدوسي ، أو مزاحم العقيلي ، أو عروة بن أحمد الخزاعي . ( 2 ) المعاني الكبير ص 563 ، وفي أدب الكاتب ص 22 : ( يريد أنّا لسنا بمجوس ننكح الأخوات ) .