محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي ( ابن الأبار )
237
إعتاب الكُتّاب
سبيل اللّه المشكورة ، قد ألقت عصا التسيار ، وأخلدت إلى الراحة من طول السفار ، وكانت قد تلقّتهم بأطراف الزّاب « 1 » جماعة بني مالك مزيدة وجموع دياب ، فقوّت رجاءهم في الهجوم على البلاد ، وصدّقت أملهم الكاذب فيما عزموا عليه من الفساد ، فأخذ الموحدون - أعزهم اللّه - في الحركة إليهم ، والورود بحول اللّه وقوته عليهم ، بعزائم لا تثني بالأمل ، وحفائظ لا ترضى بالقول دون العمل ، حتى نزلوا القيروان ، وهي قطب منازل الأعراب ومراد سوامهم عند ازدحامهم في مثل هذه الأحوال الصعاب ، والأعداء حينئذ نزلوا بظاهر قفصة « 2 » يرتقبون ورود بقية دباب من طرابلس إجابة لما قدّموه من ندائهم ، وإهابة بهم إلى إعادتهم « 3 » في الفساد وإبدائهم ، وأقبلت عصابة التوحيد على استدعاء من ألفته من عوف والشريد ، وندبهم إلى أن يأخذوا بحظهم من خدمة هذا الأمر السعيد ، وطلبوا بأن يحضروا بالأهل والمال ، ليلقوا أكفاءهم في مثل تلكم الهيئة والحال ، وللعرب عادات في الرحيل جميعا ، لا تعطي الخفوف إلى المقصود سريعا ، فسار بهم الموحدون على هيئتهم في التواني سيرا ، ولم يذعروا لهم بإخراجهم عن معتادهم طيرا ، ولما سمع الأعداء برحيلهم من القيروان رحلوا من قفصة إلى الحمة « 4 » يبرقون ويرعدون ، ويهددون باللقاء
--> ( 1 ) - الزاب : كورة عظيمة ونهر جرار بأرض المغرب ، معجم البلدان : 3 / 124 . ( 2 ) - بلدة صغيرة في طرف إفريقية من ناحية المغرب من عمل الزاب الكبير ، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام . معجم البلدان : 4 / 382 - 383 . ( 3 ) - رواية ( س ) و ( ر ) ، وفي ( ق ) : عادتهم . ( 4 ) - الحمة : مدينة بإفريقية من عمل قسطيلية من نواحي بلاد الجريد . معجم البلدان : 2 / 306 .