يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
99
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كانت الوحدة في معلّقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في نفسه منذ بدء القصيدة . ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقا واضحا جدّا ، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن عنترة فيما يظهر كان حلو النفس ؛ رقيق القلب ، قوي العاطفة ، جاءه ذلك من أنه عزّ بعد ذلّة ، وتحرّر بعد رقّ ، فهو قد شقي في صباه وطفولته ، واحتمل الأذى في شبابه والذلّ الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدّتها ، على حين نجد هذه النغمة عند لبيد غليظة خشنة . لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها أثناءها ولكنه ليس متهالكا عليها ولا متحرجا من الصّدّ عنها ، فهو يبادل القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر . أما عنترة فيقول : [ الكامل ] ولقد نزلت فلا تظنّي غيره * مني بمنزلة المحبّ المكرم 4 - وفيها عدّة تشبيهات رائقة : كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود وقد ثابت إليه الإبل : [ الكامل ] تأوي له قلص النعام كما أوت * حزق بجانبه لأعجم طمطم ومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقّاد من القدماء ويحبونه ؛ في الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر الروضة الأنف التي ألحّ عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجا نشوان مترنما : وكأن فأرة تاجر بقسيمة * سبقت عوارضها إليك من الفم أو روضة أنفا تضمن نبتها * غيث قليل الدمن ليس بمعلم جادت عليه كل بكر حرّة * فتركن كل قرارة كالدرهم سحا وتسكابا فكل عشية * يجري عليها الماء لم يتصرّم وخلا الذباب بها فليس ببارح * غردا كفعل الشارب المترنم هزجا يحكّ ذراعه بذراعه * قدح المكب على الزناد الأجذم 5 - وكثير جدّا من أبيات هذه المعلّقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول ، حتى جرى مجرى الأمثال فأيّ الناس لا يتمثّل قوله : [ الكامل ] وإذا شربت فإنني مستهلك * مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى * وكما علمت شمائلي وتكرّمي