يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

98

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

المعنى ، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ الغرابة . وإنما تسير في سهولة ويسر ، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورّط في الغلظة والإغراب . وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته ، بل هو رقيق في حديثه عن أعدائه . أليس هو الذي يقول : [ الكامل ] فشككت بالرمح الأصم ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم بل هو رقيق على فرسه ، يألم لألمه ، ويشقى لشقائه ، ويرى بكاءه ، ويسمع توجّعه حين تعبث به رماح الإعطاء : [ الكامل ] فازورّ من وقع القنا بلبانه * وشكا إليّ بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلمي وعنترة لا تنتهي به الرقّة إلى الضعف ؛ كما لا تنتهي به الشدّة إلى الضعف ، وكما لا ينتهي به السكر إلى ما يفسد الأخلاق والمروءة ، أو الصحو إلى التقصير والعيب والبخل . وهو مقدّم إذا كانت الحرب ، عفيف إذا قسمت الغنائم ، يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم ، مما يستغني عن الإبانة عنه ، فيقول هذه الكلمة الرائعة ، « وكما علمت شمائلي وتكرّمي » . المعلّقة تصوير واضح لنفسية الشاعر ومشاعره وحياته وعواطفه وبطولته وقوّته وبأسه ونضاله للأعداء ، ولا عجب فهي تنبع من نفسه وحياته وتصوّرهما تمام التصوير . ولو لم نعرف عنترة أو نسمع بأخباره وحياته ، لعرفناه من معلّقته بطلا مقداما ، وشجاعا فارسا ، وعربيّا كريم الخلق ، رقيق العاطفة ، حارّ الشعور ، يضع روحه في كفّه ، ويبذلها مضحيا في سبيل كرامته وشرفه وبطولته . 3 - وقد سار فيها على نهج غيره من الشعراء ، فذكر الديار كما ذكروها ، ووصف الناقة كما وصفوها ، وافتخر بالكرم والنجدة والبطولة . وفيها معان قلّما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطئ ابن سلام حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقّا . وكأنها طائفة من الأنغام الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشدّ الاختلاف ، وفيها نغمة واحدة متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حينا ، وتحسّها النفس وإن لم تسمعها الأذن حينا آخر . وهذه