يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
255
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
الشعراء الذين خلد ذكرهم على مرّ العصور ؟ ولقد كان الناشئ في الجاهلية يتتلمذ على شاعر مشهور يروي شعره ويأخذ عنه فنّه الأدبي . وكان الشعراء يعرضون قصائدهم على غيرهم من الخبيرين بفن الشعر وصناعته ، واستمر هذا إلى ما بعد الإسلام . ثم إن هذه المجازات والأخيلة هي من خصائص البيان العربي ومميزاته التي تكسبه روعة وجمالا . إن من العقوق للعربية أن نذهب مذهب الأستاذ العقاد من الغلوّ فيما رمى به الشعر الجاهلي من التفكّك وعدم اتّساق الفكرة وارتباطها واتصال معانيها ، وما أظن ذلك وإن كان موجودا فيه مما يؤاخذ عليه الشعر الجاهلي إلى هذا الحدّ البعيد ، وفيم الفرق إذا بين الأسلوب الفني الجميل وبين الأسلوب العلمي وحقائقه المنطقية المرتبة ، إن الشعر فنّ قبل أن يكون فلسفة . وأخيرا فللعقاد رأيه في عدم اتخاذ الشعر الجاهلي مثالا يحتذيه ، ولقد أخذ نفسه بذلك ؛ فلم يكن له حظ من الخلود في الشعراء . أما نحن فنقول : إنه لا داعي لأن يملأ شعراؤنا المعاصرون شعرهم بألفاظ العقنقل والسجنجل والجندل والحنظل كما فعل امرؤ القيس مثلا ، ولا بالإثمد والبرجد والمسرهد كما فعل طرفة . وليس من المناسب أن نترسّم خطاهم في بكاء الأطلال ووصف الدّمن وذكر محاسن الخيل وكلاب الصيد ، فلنا - بدلا من ذلك كله - مجال فسيح لقول الشعر في عصر الكهرباء والذّرّة والأثير والطائرات . أما فيما عدا ذلك من الألفاظ والأغراض فالشعر الجاهلي أروع ما يحتذى في مذاهب النظم وجمال الصياغة وحسن الأداء . وكتب الأستاذ أحمد أمين عدّة مقالات في الثقافة بعنوان « جناية الشعر الجاهلي على الأدب العربي » ردّ عليها الأستاذ علي النجدي ناصف في صحيفة دار العلوم بمقالة عنوانها « هل جنى الشعر الجاهلي على الأدب العربي ؟ » - 21 - 40 مجلة دار العلوم عدد أكتوبر 1939 - ولا داعي للإفاضة في ذكر ذلك كله فهو كلام معاد مكرور . موازنة أدبية بين قصيدتين من عيون الشعر الجاهلي - 1 - أما الأولى فهي معلّقة عمرو بن كلثوم ( 500 - 600 ) المشهورة : ألا هبّي بصحنك فأصبحينا * ولا تبقي خمور الأندرينا