يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
246
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
الحديث ، « بعد أن أبعد المحدثون الشعر عن البساطة والإخلاص ، وهما الصفتان اللتان كانتا حسنا له » كما يقول الدكتور ضيف ( 1 ) . ويمتاز الشعر الجاهلي أيضا بالزهد في المحسّنات وألوان التزين الفني وهذه سمة غالبة عليه . وأدباؤنا المحدثون لا يزالون يدعون إلى هذا المذهب . ولقد كان الشعر المصري الحديث في أول نهضته مثقلا بقيود الزخرف البديعي الموروث عن العصر التركي والعثماني وأواخر العصر العباسي ، إلى أن ثار النقّاد على ذلك النهج ودعوا إلى الخلاص من آثاره ، حتى برئ الشعر الحديث من عاهته ، وسار طليقا إلى غاياته . وقد ظهرت في الآداب الأوروبية أيضا صبغة الزخرف الفني في العصور الوسطى ، كما حدث في الأدب الفرنسي في أعقاب عهد لويس الرابع عشر ، وفي الأدب الإنجليزي بعد عصر أليصابات : أفنقول بعد ذلك إن الشعر الجاهلي يعاب لهذه الحسنة الظاهرة ، ويزدري لذلك الفضل الظاهر ؟ ومن خصائص الشعر الجاهلي متانة الأسلوب وقوته وجزالته وأسره . وللبيئة البدوية أثر بعيد في ذلك ، وقد سار المحدثون في العصر العباسي على هذا النهج حينا ، وحينا آخر أغرقوا في العذوبة والسّلاسة والسهولة التي ورثوا بعضها عن العصر الأموي ومدرسة الغزليين التي شاعت فيه . وقد دافع بعض النقّاد عن الجزالة والقوة ، كما دافع آخرون عن العذوبة والرقّة ، ووقف آخرون يحدّدون مواقف هذه ومواقف تلك كابن الأثير في المثل السائر وسواه . ولكن العصور الأخيرة كانت تعدّ العذوبة ضعفا في الشاعر وميلا منه إلى العاميّة ، وبهذه النظرة كانوا يحكمون على شعر البهاء زهير الشاعر المصري المشهور ، ولكننا نقول للناشئين : ربّوا ذوقكم الأدبي ، وأرهفوا مشاعركم الفنيّة ، وتأثّروا في حياتكم ومذاهبكم الأدبية بالحياة والحضارة التي تعيشون فيها ، وستدركون بأنفسكم الحقيقة الأدبية في هذه المسألة الفنية . ولا شك أن عذوبة الأسلوب وسلاسته يجب أن تبرز في إنتاج الشاعر وفنّه ، لأثر الحياة والحضارة في نفسه ، ومع ذلك فهذه العذوبة والرقّة يجب ألّا تنقلبا ضعفا وعاميّة ، وأن توشى بألوان من الجزالة في مواقف خاصة تستدعيها حياة الشاعر ونفسيته قبل كل شيء ، كما يجب ألّا تنقلب الجزالة جوشبة وإغرابا وتعقيدا عند الشعراء الذين يحافظون على الجزالة . وأحسب أن شعراءنا المعاصرين الذين يتكلّفون الألفاظ اللغوية الكثيرة البعيدة في قصائدهم إنما يفعلون ذلك تقليدا فحسب وفي مطلع
--> ( 1 ) ص 2 مقدمة لدراسة بلاغة العرب .