يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
247
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
حياتهم الفنية التي يكثر فيها الناشئون من التقليد ، ولو كانت قصيدة - نهج البردة لشوقي مثلا - قد صيغت في أسلوب عذب رقيق سهل عن أسلوبها التي صيغت فيه ، لكان أثرها الأدبي أعظم في نفس الأمة وذوقها ومشاعرها الأدبية . ونحن على أيّ حال لا يمكن أن نعيب الشعر الجاهلي لجزالته ، فقد رأيت موقف النقّاد من الجزالة وإعجاب الكثير منهم بها ودفاعهم عنها ، فوق أنها أثر من آثار البيئة في الشعر الجاهلي . ومن خصائص الشعر الجاهلي أيضا القصد إلى المعنى في إيجاز ويسر وقلّة إطناب . ولا شك أن العصور الأدبية التي تلت العصر الجاهلي وتعدّدت فيها ألوان الثقافات ومظاهر الحضارات قد أبعدت الشاعر عن هذا الاتجاه ، ودفعته إلى الإطناب وشتّى ألوان التصوير ، ووقف النقّاد حيال ذلك طوائف : طائفة تدعو إلى الإيجاز وتراه البلاغة والبيان ، وطائفة تشيد بالإطناب وترى فيه جمال الفصاحة وروعة التصوير ، وأخرى تحدّد للإطناب مواضع للإيجاز مواضع كقدامة في نقد النثر وابن سنان في سرّ الفصاحة . ونحن لا نقول للشاعر المعاصر : آثر الإيجاز أو اعمد إلى الإطناب ، وإنما نقول له : إن أساس الجودة الفنية أن تؤدّي معانيك في رفق ويسر وقلّة فضول وفي الآداب الغربية الآن مذاهب تدعو إلى القصد في التصوير البياني والاكتفاء بشرح الأفكار الجديدة وحدها وترك ما عداها . ولا شك أن أهم طابع للشعر الجاهلي بعد الذي ذكرناه سابقا هو هذا الطابع البدوي الواضح الذي يفجؤك في شتى القصائد الجاهلية ، مما هو أثر للبيئة والحياة الجاهلية . ونحن ندعو كما يدعو كل منصف إلى ترك هذا الاتجاه في الأداء والتصوير فقد أصبح لا يلائم منهج الحياة في القرن العشرين ، كما أن إبراز هذا الطابع البدوي في شعر الشاعر المعاصر يكون تقليدا سخيفا لا مبرر له ، ويحول دون ظهور نزعاته الفنية ومواهبه الخاصة المستقلة في شعره ، وهذا ضرر بعيد . ومن آثار هذا الطابع في الشعر الجاهلي شدّة تمثيله للبيئة البدوية ؛ وقد سار بعض الشعراء المحدثين على هذا النهج ؛ فملئوا شعرهم بصور الحياة البدوية ؛ من وصف الناقة والجمل والظليم والمدن والديار القديمة ؛ مما سخر به بعض النقّاد والشعراء ، ودعوا إلى التحرّر منه ، فقال مطيع بن إياس : [ الطويل ] لأحسن من بيد تحار بها الطا * ومن جبل طي ووصفكما سلعا تلاحظ عيني عاشقين كلاهما * له مقلة في وجه صاحبها ترعى