يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
237
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
وجاء الإسلام فكان له ولرسوله الكريم موقف جليل من الشعر الجاهلي ، أنكر بعضا وعرف بعضا ، أنكر هذا الشعر الذي ينافي الأخلاق الكريمة والمثل العليا من الغزل الفاحش ، والمجون الخليع ، والهجاء الكاذب ، والمدح المغرق ، والفخر الممعن في الغلوّ والمبالغة ، وعرف هذا الشعر الذي يدعو إلى الفضائل والأخلاق والدين ؛ ويحثّ على الأدب والطموح وأداء الواجب وحبّ الجماعة والتضحية في سبيل الأمة والإنسانية ، فكان هذا الموقف الخالد للإسلام ونبيّه العظيم توجيها لرسالة الشعر ، وتهذيبا نبيلا للشعراء ليسمو بفنّهم الرفيع إلى مجال الطّهر والخير ، ومجال الحق والعدل والحرية والنور ، وكان نقدا عميقا للشعر والشعراء الجاهليين ، وإنكارا لاتخاذ الشعر وسيلة للكسب وظهر أثر الإسلام والقرآن في تهذيب أسلوب الشعر وألفاظه وفي البعد به عن الحوشية والغرابة وطبعه بطابع القوة والجلالة والروعة مع الحلاوة والبلاغة والسّلاسة . كما ظهر أثر القرآن والحياة الجديدة في عقلية الشعراء وتفكيرهم ومعانيهم وخيالاتهم . وفي عصر دولة بني أمية انتشرت العصبيات ، وكثرت الخلافات السياسية والدينية ، وتغيّر نهج حياة العرب وتفكيرهم ، فعادوا إلى مذاهب الجاهليين واتخذوه أداة للدفاع عن الرأي والعقيدة ، ولسانا لإذاعة محامدهم ومفاخرهم ، وشجّعوا الرواة على رواية الشعر الجاهلي ؛ والشباب على درسه وتعلّمه والتأدّب بأدبه ، ووضعت في هذا العصر أصول النحو العربي فأخذ العلماء ينقدون الشعر الجاهلي نقدا يتصل بالإعراب ؛ وكان ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم ، وكان عيسى يقول : أساء النابغة في قوله : [ الكامل ] فبتّ كأني ساورتني ضئيلة * من الرقش في أنيابها السّمّ ناقع ويقول موضعه : ناقعا ( 1 ) . ومن أشهر رواة الشعر الجاهلي ونقّاده في القرن الثاني الهجري : أبو عمرو بن العلاء البصري م 154 ه ، وحمّاد الراوية الكوفي ( 75 - 156 ه ) ، وخلف الأحمر البصري م 180 ه ، ويونس البصري م 182 ه ؛ والمفضل الضبي م 189 ه وهو أقدم من جمع المختار من شعر العرب في كتاب « المفضليات » وأول من فسّر الشعر بيتا بيتا ، ويقال إنه أول من جمع أشعار الجاهليين ، وإن كان الراجح أن حمّادا سبقه في هذا الميدان . ومنهم : ابن الكلبي م 204 ، وأبو زيد الأنصاري صاحب كتاب
--> ( 1 ) ص 41 الموشح للمرزباني ، ص 11 و 12 ابن سلام .