يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

12

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

والتنويه به وبشعره ، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظنّ أنه قد رضي ، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو ابن هند يتعرّضان لفضله ومعروفه وكان المتلمس أيضا قد هجا عمرو ابن هند الملك في قصيدة من شعره ، وكان في نفس الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك . أظهر عمرو ابن هند الاحتفاء بالشاعرين ، وتلطّف معهما تلطفا جميلا وكتب لكلّ منهما كتابا إلى عامله بالبحرين ( 1 ) وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر وقال لهما : انطلقا إليه فخذا جوائزكما منه ، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما . ولعلّ إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما - بكر - حتى لا يرمى الملك بقتلهما ، أو بمثابة الرّدّ على قول طرفة في هجائه : [ الوافر ] لينجزني مواعد كاذبات * بطيّ صحيفة فيها غرور ( 2 ) كان مكتوبا في صحيفة المتلمس : « باسمك اللّهمّ ، من عمرو ابن هند إلى المكعبر : إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا » ، وكذلك كانت صحيفة طرفة . وخرج الشاعران من بلاط الملك ، فلما وصلا النجف قال المتلمس : يا طرفة إنك غلام حديث السن ، والملك من عرفت حقده وغدره ، وكلانا قد هجاه فلست منا أن يكون قد أمر بشر ، فهلمّ فلننظر في كتبنا هذه ، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا فيه ، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا ، فأبى طرفة أن يفكّ خاتم الملك ، وعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي ( 3 ) ، فأعطاه الصحيفة ليقرأها ، والغلام لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة ، فقرأها فقال : ثكلت المتلمس أمه ، فانتزع المتلمس الصحيفة من يده ، واتّبع طرفة فلم يلحقه ( 4 ) .