جعفر بن علي الدمشقي
15
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها
ولو لم يكن في الغنى إلّا أنّه من صفات اللّه عزّ وجلّ لكفى فضلا وشرفا عظيما . والأموال جميعها نافعة لأهلها إذا دبّرت كما يجب وبعضها أفضل من بعض ، وتختلف باختلاف أحوال الزمان ، وبحكم ما هي عليه من صفاتها المكروهة أو المحبوبة وأحوالها المحمودة أو المذمومة ، وسأذكر من ذلك طرفا . فأمّا لمضار المتوجّهة من المال فمن جهة المتغلّبين ، السلاطين الجائرين ، والحسد والحسّاد . فصل في موضع الحاجة إلى المال الصّامت لمّا كان الإنسان من بين سائر الحيوان كثير الحاجات فبعضها ضرورية وبعضها طبيعية وهي كونه محتاجا إلى منزل مبني وثوب منسوج وغذاء مصنوع . وبعضها عريضة وضعية كحاجته عند اللقاء إلى ما يقيه من عدوّه وإلى ما يقاتل به وحاجته عند المرض إلى أدوية مركّبة من عقاقير وأشربة ، وكلّ واحد من هذه الحاجات يحتاج إلى أنواع من الصناعات حتى تتكوّن ، ثم حتى تتمّ كما يفعل في النبات وحاجته أن يزرع أو يغرس ، ثم ينقّى ، ثم يسقى ويربى ، ثم يحصد أو يلقط ، ثم يحتاج إلى صناعة أخرى تكون تمام الانتفاع به كحاجة القمح بعد حصاده إلى الدارس والذرو والغربلة والتنقية والطحن والنخل والعجن والخبز حتى يصلح أن يتغذّى به . وحاجة الكتّان بعد البلّ والتعطين إلى النفض والدّق ثم المشط والغزل ، ثم إلى الطبخ ، ثم سائر أعمال النساجة ، ثم إلى الصفر والقصارة والخياطة حتى يصلح أن يكتسي به . ولم يمكن الواحد من الناس لقصر عمره أن يتكلّف جميع الصناعات