جعفر بن علي الدمشقي
16
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها
كلّها وإن كان فيه احتمال لتعلّم كثير منها فليس يقدر على جمعها كلّها البتّة حتى يحيط بها من أوّلها إلى آخرها علما ، ولأنّ الصناعات مضمومة بعضها إلى بعض كالبناء يحتاج إلى النجّار والنجّار يحتاج إلى الحدّاد ، وصنّاع الحديد يحتاجون إلى صناعة أصحاب المعادن ، وتلك الصناعات تحتاج إلى البنّاء فاحتاج الناس لهذه العلّة إلى اتّخاذ المدن والاجتماع فيها ليعين بعضهم بعضا لما لزمتهم الحاجة إلى بعضهم بعضا . وأمّا باقي الحيوانات فليس بهم حاجة إلى بعضهم بعد قوّة الشرّ إذا كانت مكتسية من ذاتها بملابس طبيعيّة إمّا شعر أو صوف أو وبر أو ريش أو قشور أو أصداف ، وأقواتها معرّضة لها من حيوانات أو نبات ومساكنها كذلك وكلّ واحد منها ليس به حاجة إلى غيره . وأمّا الحيوانات التي تحت أيدي الناس فلكونها محصورة فتحتاج إلى ما يغذوها ويكسوها ويكرمها وإلّا هلكت . فلمّا كان الناس يحتاج بعضهم إلى بعض على ما تقدّم ذكره ولم يكن وقت حاجة كلّ واحد منهم وقت حاجة الآخر ، حتى إذا كان واحد منهم مثلا نجّارا فاحتاج إلى حدّاد فلا يجد ، ولا مقادير ما يحتاجون إليه متساوية ولم يمكن أن يعلم ما قيمة كلّ شيء من كلّ جنس وما مقدار العرض عن كلّ جزء من بقيّة الأجزاء من سائر الأشياء وما مقدار أخرى كلّ صناعة أخرى الصناعة الأخرى فلذلك احتيج إلى شيء يثمن به جميع الأشياء ويعرف به قيمة بعضها من بعض فمتى احتاج الإنسان إلى شيء ممّا يباع أو يستعمل دفع قيمة ذلك الشيء من ذلك الجوهر الذي جعل ثمنا لسائر الأشياء . ولو لم يفعل ذلك لكان الذي عنده نوع من الأنواع التي يحتاج إليها صاحبه كالزيت والقمح وما أشبههما وعند صاحبه أنواع