ابن المقفع

96

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

* فضيلة الاستماع 1 - تعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام ومن حسن الاستماع إمهال المتكلّم حتّى يقضي حديثه ، وقلّة التلفّت إلى الجواب والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم والوعي لما يقول . واعلم أن المستشار ليس بكفيل والرّأي ليس بمضمون بل الرأي كلّه غرر « 1 » لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة . ولأنّه ليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز ، بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة فإذا أشار عليك صاحبك برأي فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل فلا تجعل ذلك عليه لوما وعذلا « 2 » تقول : أنت فعلت هذا بي وأنت أمرتني ولولا أنت لم أفعل ولا جرم لا أطيعك بعدها . . . فإنّ هذا كلّه ضجر ولؤم وخفّة ، وإن كنت أنت المشير فعمل برأيك أو تركه فبدا صوابك فلا تمنّ ولا تكثرنّ ذكره إن كان فيه نجاح ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضررا بأن تقول : ألم أقل لك ألم أفعل . . فإنّ هذا مجانب لأدب الحكماء . 2 - اعلم في ما تكلّم به صاحبك أنّ ممّا يهجّن « 3 » صواب ما تأتي به ويذهب بهجته ويزري « 4 » بقبوله عجلتك في ذلك قبل أن يفضي إليك بذات نفسه ، ومن الأخلاق السيئة على كلّ حال مغالبة الرجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع فيه . ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدّث الرجل حديثا تعرفه ألا تسابقه إليه وتفتحه عليه وتشاركه فيه حتى كأنّك تظهر للنّاس بأنّك تريد أن يعلموا أنّك من مثل الذي يعلم وما عليك أن تهنئه بذلك وتفرده به وهذا الباب من أبواب البخل وأبوابه الغامضة كثيرة .

--> ( 1 ) الغرر : التعريض للهلاك . ( 2 ) العذل : اللوم وعدم الرضى . ( 3 ) يهجّن : يقبّح ويعيب . ( 4 ) يزري : أزرى بالأمر تهاون به ، وأزراه عابه ووضع من قيمته وحقّه .