ابن المقفع
160
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
ويكاد يكون أمتنهم عودا أن تسخره الكلمة ، وتنكره اللحظة ، وقد ابتليت أن أكون قائلا ، وابتليتم أن تكونوا سامعين ، ولا خير في القول إلا من انتفع به ، ولا ينتفع إلا بالصدق ، ولا صدق إلا مع الرأي ، ولا رأي إلا في موضعه ، وعند الحاجة إليه فإن خير القائلين من لم يكن الباطل غايته ، ثم لزم القصد والصواب ، وخير السامعين من لم يكن ذلك منه سمعة ولا رياء ، ولم يتخذ ما يسمع عونا على دفع الهدى ولا بلغة إلى حاجة دنيا فإن اجتمع للقائل والسامع أن يرزق القائل من الناس مقة وقبولا على ما يقوله ، ويرزق السامع اتعاظا بما يسمع في أمر دنياه ، وقد صلحت نياتهما في غير ذلك فعسى ذلك أن يكون من الخير الذي يبلغه اللّه عباده ويعجل لهم من حسنة الدنيا ما لا يحرمهم من حسنة الآخرة ، كما أن المريد بكلامه أن يعجب الناس قد يجتمع عليه حرمان ما طلب مع سوء النية وحمل الوزر ، وقد وافقتم من مسارعة في ما سألتموني طمعا في أن ينفع اللّه بذلك من يشاء ، فإنه من يشاء يقع . أما سؤالكم عن الزمان فإن الزمان الناس . والناس رجلان : وال ومولى عليه . والأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس ، فخيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية ، فكان الإمام مؤديا إلى الرعية حقّهم في الرد عنهم والغيظ على عدوّهم والجهاد من وراء بيضتهم « 1 » والاختيار لحكامهم ، وتولية صلحائهم والتوسعة عليهم في معايشهم ، وإفاضة « 2 » الأمن فيهم ، والمتابعة في الخلق لهم ، والعدل في القسمة بينهم والتقويم لأودهم « 3 » ، والأخذ لهم بحقوق اللّه عزّ وجلّ عليهم . وكانت الرعية مؤدية إلى الإمام حقّه في المودة والمناصحة والمخالطة وترك المنازعة في أمره والصبر عند مكروه طاعته ، والمعونة له على أنفسهم والشدة على من أخلّ بحقه وخالف أمره غير مؤثرين في ذلك آباءهم ولا أبناءهم ولا لابسين عليه أحدا .
--> ( 1 ) البيضة : بيضة القوم : ساحتهم ، وبيضة البلد أكبر قومه وبيضة الدين عماده ووقايته . ( 2 ) إفاضة : مصدر أفاض إفاضة الأمن فيهم : جعله ينتشر ويمتد . ( 3 ) تقويم الأود : تقويم الاعوجاج .