ابن المقفع

161

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

فإذا اجتمع ذلك في الإمام والرعية ، تمّ صلاح الزمان ، وبنعمة اللّه تتم الصالحات ، ثم إن الزمان الذي يليه أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس ، ولا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم ، على أن يبلغ ذات نفسه في صلاحهم ، وذلك أعظم ما تكون نعمة اللّه على الوالي وحجة اللّه على الرعية بواليهم ، فبالحري أن يؤخذوا بأعمالهم ، وما أخلقهم ألا تصيبهم فتنة أو عذاب أليم . والزمان الثالث صلاح الناس وفساد الوالي وهذا دون الذي قبله فإن لولاة الناس يدا في الخير والشر ومكانا ليس لأحد . وقد عرفناه في ما يعتبر به أن ألف رجل كلّهم مفسد وأميرهم مصلح أقل فسادا من ألف رجل كلّهم مصلح وأميرهم مفسد . والوالي أن يصلح أدبه الرعية أقرب من الرعية إلى أن يصلح اللّه بهم الوالي . وذلك لأنهم لا يستطيعون معاتبته وتقويمه ، مع استطالته بالسلطان ، والحمية التي تعلوه . وشر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية . . فقولي في هذا الزمان ، أنه إلا يكن خير الأزمان ، فليس على واليكم ذنب ، وإلا يكن شر الأزمان ، فليس لكم حمد . ذلك ، غير أنا بحمد اللّه ، قد أصبحنا نرجو لأنفسنا الصلاح بصلاح إمامنا ولا نخاف عليه الفساد بفسادنا ، وقد رأينا حظّه من اللّه عزّ وجلّ ، في التثبت والعصمة ، فلم يبرح اللّه يزيده خيرا ، ويزيد به رعيته مذ ولّاه . فعندنا من هذا وثائق من عبر وبيّنات ، ونحتسب من اللّه عزّ وجلّ ، أن لا يزال إمامنا يسارع في مرضاة ربه بالاستصلاح لرعيته ، والصبر على ما يستنكر منهم ، وقلة المؤاخذة لهم بذنوبهم ، حتى يقلب اللّه له قلوبهم ، ويفتح له أسماعهم وأبصارهم فيجمع ألفتهم ويقوّم أودهم ، ويلزمهم مراشد أمورهم وتتم نعمة اللّه على أمير المؤمنين ، بأن يصلح له وعلى يديه ، فيكونوا رعية خير راع ، ويكون راعي خير رعيّة إن شاء اللّه وبه الثقة . والذي يحمد من أمير المؤمنين ، أنا ذاكر ما تيسّر منه . . وقلما نلقى من أهل العقل والمعاينة منكرا لنعمة اللّه ، بأمير المؤمنين على المسلمين .