ابن المقفع
147
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
أهل الشام ومما يذكر به أمير المؤمنين أهل الشام . . . فإنهم أشدّ النّاس مئونة وأخوفهم عداوة وبائقة . وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة ولا يطمع منهم في الاستجماع على المودة فمن الرأي في أمرهم أن يختصّ أمير المؤمنين منهم خاصة ممن يرجو عنده صلاحا ، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء . . . فإنّ أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى ويدخلوا في ما حملوا عليه من أمرهم فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام ولكن أخذ في أمر أهل الشّام على القصاص . . . وحرموا كما كانوا يحرمون النّاس وجعل فيئهم « 1 » إلى غيرهم كما كان فيء غيرهم إليهم ، ونحّوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحون « 2 » عن ذلك من لا يجهلون فضله في السّابقة والمواضع . ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون النّاس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامّة . فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة وما أشبهها فلم يعارض ما عاب ولم يمثل ما سخط كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم فيجعل ما خرج من كور الشّام فضلا عن النفقات ، وما خرج من مصر فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكّة . . . بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلتهم ، ديوانهم ، أو يزيد أو ينقص غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء بخفة المئونة والعفة في الطّاعة ولا يفضل أحدا منهم على أحد إلا على خاصّة معلومة ، ويكون الديوان كالغرض المستأنف ، ويأمر لكلّ جند من أجناد الشام بعدة من العيالة يقترعون عليها ويسوي بينهم في ما لم يكونوا أسوة « 3 » فيه فيمن مات من عيالتهم ولا يضيع أحد من المسلمين . وأما ما يتخوف المتخوفون من نزواتهم « 4 » فلعمري لئن أخذوا بالحقّ ولم يؤخذوا به إنّهم لخلقاء ألا تكون لهم نزوات ونزقات « 5 » ولكنّا على مثل اليقين بحمد اللّه من أنّهم لم يشغلوا بذلك إلا أنفسهم . . . وإن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) الفيء : الخراج ، أو الغنيمة . ( 2 ) ينحون : يبعدون . ( 3 ) الأسوة : القدوة . ( 4 ) النزوات : جمع نزوة وهي الوثبة إلى الشرّ ونحوه . ( 5 ) النزقات : جمع نزقة وهي العجلة في الحمق أو الجهل .