ابن المقفع
144
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
شيئا لا يكاد يشكّ أنه ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه . . فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفي بهم في جميع ما يلتمس له بأهل الطّبقة من النّاس رجونا أن يكون ذلك فيهم موجودا . وقد أزرى بأهل العراق في تلك الطبقة ، أنّ ولاة العراق في ما مضى كانوا أشرار الولاة وأنّ أعوانهم من أهل أمصارهم كانوا كذلك . . . فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول « 1 » وتعلّق بذلك أعداؤهم من أهل الشّام فنعوه عليهم ، ثم كانت هذه الدولة فلم يتعلّق من دونكم من الوزراء والعمّال إلا بالأقرب فالأقرب ممّا دنا منهم أو وجدوه بسبيل شيء من الأمر ، فوقع رجال مواقع شائنة « 2 » لجميع أهل العراق حيث ما وقعوا من صحابة خليفة أو ولاية عمل ، أو موضع أمانة أو موطن جهاد ، وكان من رأي أهل الفضل أن يقصدوا حيث يلتمسوا فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا وينتفع بهم ، وإن كان صاحب السلطان ممّن لم يعرف النّاس قبل أن يليهم ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم ، ويستثبت في استقصائهم زالت الأمور عن مراكزها ونزلت الرجال عن منازلها لأنّ النّاس لا يلقونه إلا متصنّعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصّمت والكلام غير أن أهل هذا النقص هم أشدّ تصنّعا وأحلى ألسنة وأرفق تلطفا للوزراء أو تمحّلا « 3 » لأن يثنى عليهم من وراء وراء . فإذا آثر الوالي أن يستخلص رجلا واحدا ممّن ليس لذلك أهلا دعا إلى نفسه جميع ذلك النوع وطمعوا فيه واجترءوا عليه وتواردوه وتزاحموا على ما عنده . . وإذا رأى ذاك أهل الفضل كفّوا عنه وباعدوا منه وكرهوا أن يروا في غير موضعهم أو يزاحموا غير نظرائهم . *
--> ( 1 ) الفسول : كل مسترذل رديء . ( 2 ) شائنة : مكروهة ومعيبة . ( 3 ) التمحّل : الاحتيال في الطلب .