ابن المقفع
145
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
إصلاح القضاء ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصرين وغيرهما من الأمصار والنّواحي اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدّماء والفروج والأموال ، فيستحلّ الدم والفرج بالحيرة ، وهما يحرّمان بالكوفة ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة فيستحلّ في ناحية منها ما يحرّم في ناحية أخرى ، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ المسلمين في دمائهم وحرمهم يقضي به قضاة جائز أمرهم وحكمهم مع أنّه ليس مما ينظر في ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلا قد لجّ « 1 » بهم العجب بما في أيديهم والاستخفاف ممن سواهم فأقحمهم ذلك في الأمور التي يغضب لها من سمعها من ذوي الألباب . * أما من يدّعي لزوم السنة منهم فيجعل ما ليس له سنة سنة حتّى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بيّنة ولا حجّة على الأمر الذي يزعم أنه سنة . وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول هريق فيه دم على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو أئمة الهدى من بعده . وإذا قيل له : أيّ دم سفك على هذه السنة التي تزعمون ؟ قالوا : فعل ذلك عبد الملك بن مروان أو أمير من بعض أولئك الأمراء . . . وإنّما يأخذ بالرأي به الاعتزام على رأيه أن يقول في الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين ثم لا يستوحش لانفراده بذلك وإمضائه الحكم عليه وهو مقر أنّه رأي منه لا يحتجّ بكتاب ولا سنّة . فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسّير المختلفة فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتجّ به كلّ قوم من سنّة أو قياس « 2 » . ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وأمضى في كلّ قضية رأيه الذي يلهمه اللّه
--> ( 1 ) لجّ بهم : ألحّ عليهم . ( 2 ) القياس : من قواعد المنطق وأصوله وهو قول مركب من قضايا عند التسليم بها يلزم عنها قول آخر كقولنا الطائر له جناحان ، العصفور له جناحان إذا العصفور طائر .