صبحي الصالح

85

مباحث في علوم القرآن

ومن أسماء السور والفواصل ، اقتداء بأبي بكر ، فإن صحفه كانت مجردة من كل ذلك . وفوق هذا ، جردت المصاحف العثمانية ممّا ليس بقرآن من الشروح والتفاسير ، فمن الصحابة من كان يكتب في مصحفه ما سمع تفسيره وإيضاحه من النبي صلى اللّه عليه وسلم . مثال ذلك قوله تعالى : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ » فقد قرأ ابن مسعود وأثبت في مصحفه « ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج » : ولا ريب أن تلك الزيادة الأخيرة للتفسير والإيضاح ، لأنها مخالفة لسواد المصاحف التي أجمعت عليها الأمة . وقد أوضح ذلك ابن الجزري فقال : « وربما يدخلون التفسير في القراءات إيضاحا وبيانا ، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرآنا . فهم آمنون من الالتباس ، وربما كان بعضهم يكتبه معه » « 1 » أي مع القرآن في المصحف الذي يكتبه لنفسه ، كمصحف عائشة . لقد جردت إذن مصاحف عثمان من جميع هذه الزيادات التي لم تتوافر قرآنيتها وإنما كانت من قبيل التفسير أو تفصيل المجمل أو إثبات المحذوف ، وأهملت منها جميع الروايات الآحادية ، وأضحت سورها وآياتها مرتبة على النحو الذي نجده في مصاحفنا اليوم . وخلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل جعل رسم بعض الألفاظ القرآنيّة صالحا لأن يقرأ بأكثر من وجه ، كقوله تعالى : « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا » فقد قرئ كذلك « فتثبتوا » ، وكقوله تعالى : « فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ » فقد قرئ أيضا : « فتلقى آدم من ربّه كلمات » ، وإنما صلح الرسم للوجهين في الآيتين المذكورتين لورود دليل قاطع على صحة القراءة بهما ، لأن رسول اللّه قرأ بهما أو لأن أحدا من الصحابة قرأ بهما بحضوره فأقره ولم يعترض عليه . وورود مثل هذا الدليل على تواتر قراءة ما هو الذي يعين صلاحية الرسم لوجه دون آخر . فإن وجد دليل آحادي لم يبلغ درجة التواتر على قراءة ما لم يؤخذ به ، واعتبر

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 134 .