صبحي الصالح

86

مباحث في علوم القرآن

شاذا « 1 » لمخالفته أخبار الثقات ، ولو صح الرسم للقراءة به ، كقوله تعالى : « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » ، ففي القراءات الآحادية الشاذّة « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » . وغني عن البيان بعد هذا أن كل لفظ قرآني لم يتواتر في قراءته أكثر من وجه كان يكتب برسم واحد فقط ، وأن كل ما صح فيه تواتر أكثر من وجه وتعذر رسمه في الخط محتملا لجميع الوجوه ، كان لا بدّ أن يلجئ الناسخين إلى كتابته في بعض المصاحف بوجه ، وفي بعضها الآخر بوجه ثان ، كقوله تعالى : « وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ » فقد تواتر فيه وجه آخر صحيح « وأوصى » بالهمز لا بالتضعيف ، ولذلك كتب في بعض المصاحف العثمانية بالتضعيف وفي بعضها الآخر بالهمز « 2 » . على أنّ هذا النوع الأخير قليل جدا ، وقد ذكر محصورا في آيات معدودة في أكثر الكتب المؤلّفة حول « المصاحف » . ولكي يزيد عثمان من إقبال الناس على تلقي القرآن من صدور الرجال واعتمادهم على الحفظ وعدم اتكالهم على النسخ والكتابة ، راح يرسل في الأكثر الأغلب مع المصحف الخاص بكل إقليم حافظا يوافق قراءته ، فكان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني ، وعبد اللّه بن السائب مقرئ المكّي ، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي ، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي ، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري « 3 » . أما إحراق عثمان للمصاحف الفردية فلم يقدم عليه إلا بعد مشورة وتأييد من الصحابة الكرام ، فهذا سويد بن غفلة يقول : « قال علي : لا تقولوا في عثمان إلا خيرا ، فو اللّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملإ منّا » « 4 » .

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 133 . ( 2 ) يقول السيوطي في ( الاتقان 2 / 289 ) في هذا الصدد . أما القراءات المختلفة المشهورة بزيادة لا يحتملها الرسم ونحوها ، نحو أوصى ووصى ، وتجري تحتها ومن تحتها ، وسيقولون اللّه وللّه ، وما عملت أيديهم وما عملته ، فكتابته على نحو قراءته . وكل ذلك وجد في مصاحف الإمام » . ( 3 ) مناهل العرفان للزرقاني 1 / 396 - 397 . ( 4 ) الاتقان 1 / 103 .