صبحي الصالح

74

مباحث في علوم القرآن

لأنفسهم نسخة منه ، فتعاونت نسخ هؤلاء الكتّاب والصحف التي في بيت النبي مع حافظة الصحابة الأميين وغير الأميين ، على حفظ القرآن وصيانته ، مصداقا لقوله تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » « 1 » . 2 - جمع القرآن في عهد أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه لقد كتب القرآن كله على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا أنّه كان مفرق الآيات والسور ، وأول من جمعه في صحف مرتب الآيات - كما رويت محفوظة عن الرسول - هو أبو بكر . قال أبو عبد اللّه المحاسبي « 2 » في كتاب ( فهم السنن ) : « كتابة القرآن ليست بمحدثة ، فإنّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها القرآن منتشرا ، فجمعها جامع وربطها بخيط ، حتى لا يضيع منها شيء » « 3 » . وكان جمع أبي بكر للقرآن بعد موقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة ، ففي تلك الموقعة بين المسلمين وأهل الردة من أتباع مسيلمة الكذّاب ، استشهد سبعون من حفظة القرآن من الصحابة ، فهال ذلك عمر بن الخطاب وجاء يقترح على أبي بكر جمع القرآن . وفي ذلك يروي البخاري في صحيحه أن زيد ابن ثابت رضي اللّه عنه قال : « أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده . قال أبو بكر رضي اللّه عنه : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحرّ ( أي اشتدّ ) يوم اليمامة بقرّاء القرآن ، وإنّي أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن ، وإنّي أرى أن تأمر

--> ( 1 ) سورة الحجر 9 . ( 2 ) هو الحارث بن أسد المحاسبي ، ويكنى أبا عبد اللّه . من أكابر الصوفية ، كان عالما بالأصول والمعاملات ، وهو أستاذ أكثر البغداديين في عصره ، توفي ببغداد سنة 243 ( الأعلام للزركلي 2 / 153 ) . ( 3 ) البرهان 1 / 238 والاتقان 1 / 101 .