صبحي الصالح
75
مباحث في علوم القرآن
بجمع القرآن . قلت لعمر : كيف نفعل ما لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال عمر : هو واللّه خير . فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك ، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنّك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتتبّع القرآن فاجمعه . فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن ! قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : هو واللّه خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر . فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري « 1 » لم أجدها مع أحد غيره « لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم » حتى خاتمة براءة . فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر » « 2 » . وقد يقع قارئ هذا النص في إشكال منشؤه تصريح زيد بأنّه لم يجد آخر سورة التوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري ، ويزول هذا الإشكال سريعا إذا علم القارئ أن غرض زيد أنّه لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة « 3 » ، وقد كان ذلك كافيا لقبوله إياها ، لأن كثيرا من الصحابة كانوا يحفظونها ، ولأن زيدا نفسه كان يحفظها ولكنه أراد - ورعا منه واحتياطا - أن يشفع الحفظ بالكتابة ، وظلّ ناهجا هذا النهج في سائر القرآن الذي تتبّعه فجمعه بأمر
--> ( 1 ) وفي رواية : « مع أبي خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين » البرهان 1 / 234 ، لكن الذي في تهذيب التهذيب ( 3 / 140 ) أن خزيمة بن ثابت الأنصاري هو ذو الشهادتين ، فهو غير أبي خزيمة ، وفي البخاري « فضائل القرآن » أن زيدا وجد عند خزيمة هذا آية من سورة الأحزاب ، فهل اختلط الأمر على الرواة والمؤرخين ؟ ( 2 ) صحيح البخاري . كتاب « فضائل القرآن » الباب الثالث والباب الرابع وكتاب « الأحكام » ، الباب السابع والثلاثون . وفي مسند أحمد ج 1 ص 13 ( وفي طبعة شاكر 1 / 185 رقم الحديث 76 ) وقارن بما في ( طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 201 ) . ( 3 ) الاتقان 1 / 101 وينقل السيوطي هنا عن أبي شامة قوله : « لم أجدها مع غيره أي لم أجدها مكتوبة مع غيره » .